الصفحة 100 من 234

ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال - في سبيل اللّه - وقد تهيأت كل نفس ، واستعد كل قلب وشد كل عصب ، وتحفز كل عرق وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ» ..حرضهم وهم لعدوهم وعدو اللّه كف ء ، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء اللّه حولهم: « إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا» ..فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجئ عجيب. ولكنه صادق عميق: «بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ» ..فما صلة الفقه بالغلب في ظاهر الأمر؟ ولكنها صلة حقيقية ، وصلة قوية .. إن الفئة المؤمنة إنما تمتاز بأنها تعرف طريقها ، وتفقه منهجها ، وتدرك حقيقة وجودها وحقيقة غايتها .. إنها تفقه حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية فتفقه أن الألوهية لا بد أن تنفرد وتستعلي ، وأن العبودية يجب أن تكون للّه وحده بلا شريك. وتفقه أنها هي - الأمة المسلمة - المهتدية بهدى اللّه ، المنطلقة في الأرض بإذن اللّه لإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده وأنها هي المستخلفة عن اللّه في الأرض الممكنة فيها لا لتستعلي هي وتستمتع ولكن لتعلي كلمة اللّه وتجاهد في سبيل اللّه ولتعمر الأرض بالحق وتحكم بين الناس بالقسط وتقيم في الأرض مملكة اللّه التي تقوم على العدل بين الناس .. وكل ذلك فقه يسكب في قلوب العصبة المسلمة النور والثقة والقوة واليقين ويدفع بها إلى الجهاد في سبيل اللّه في قوة وفي طمأنينة للعاقبة تضاعف القوة. بينما أعداؤها «قوم لا يفقهون» . قلوبهم مغلقة ، وبصائرهم مطموسة وقوتهم كليلة عاجزة مهما تكن متفوقة ظاهرة. إنها قوة منقطعة معزولة عن الأصل الكبير! [1]

(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1549)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت