؟ وفيما حققوه من نصر مبين على أعدائهم الذين التقوا بهم في أكثر من ميدان ، وهم قلة قليلة في وجه أعداد كثيرة ، إذا أحصيت كان المسلم محسوبا فيها بحساب عشرات وعشرات ؟ .
وفى قوله تعالى في وصف العدو المقاتل للمؤمنين: « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » ما يكشف عن الفارق الذي فرق بينهم وبين المؤمنين ، حتى كان المؤمن يغلب عشرة منهم ، وقد يكون في هؤلاء العشرة من هو أقوى قوة ، وأمتن بناء ، وأشدّ ساعدا ..
ذلك أن المشركين ، والكافرين من أعداء المؤمنين « قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ » أي لا يسكن إلى كيانهم إيمان باللّه ، وباليوم الآخر ، فهم حين يقاتلون إنما يقاتلون على مخاطرة بحياتهم التي يحيونها في الدنيا ، ولا تخطر يبالهم خاطرة أن وراء هذه الحياة حياة أخرى أخلد وأبقى ، وأطيب وأهنأ لمن آمن واتقى ... ومن هنا كان حرصهم على ما في أيديهم من حياة حرص الشحيح على شربة ماء تقع ليده على ظمأ ، في صحراء .. ومن هنا أيضا كان جبنهم في مواقف القتال ، وانحلال عزائمهم ، وزيغان أبصارهم ، وتطاير قلوبهم هلعا وفزعا.
هذا ، على حين أن المؤمن يقاتل وهو على « فقه » بالموقف الذي يقفه ، وأنه صائر به إلى إحدى الحسنيين ، إما النصر الذي يكتب به للإسلام عزّا ، وينال به عند اللّه أجرا ، وإما الاستشهاد الذي ينتقل به إلى دار خير من داره ، وإلى عالم أكرم وأطيب من عالمه ، حيث ينطلق في رحاب اللّه ، ينعم بما تشتهى الأنفس وتلذ الأعين ، في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين. [1]
يقف الفكر ليستعرض القوة التي لا راد لها ، ولا معقب عليها - قوة اللّه القوي العزيز - وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزيلة - التي تتصدى لكتائب اللّه - فإذا الفرق شاسع ، والبون بعيد. وإذا هي معركة مضمونة العاقبة ، معروفة النهاية ، مقررة المصير .. وهذا كله يتضمنه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» ..
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 666)