الصفحة 171 من 234

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ » (50: الذاريات) .فالدعوة إلى الجهاد في سبيل اللّه ، الذي تحمله كلمة « الفرار » هى دعوة إلى أمرين معا:

الأول: الانخلاع من سلطان الدنيا ، المستولى على النفوس ، وذلك لا يكون إلا بمغالبة أهواء النفس ، والوقوف منها موقف العدوّ الذي يتربص للإنسان على طريق الخير ، ليحول بينه وبين الوصول إليه ، فيفرّ المؤمن من دواعى الحياة الدنيا ، فراره من العدوّ ، الذي إن تلبّث أو فتر في الفرار منه ، هلك!! والثاني: التماس السّبل التي تخلّص الإنسان من الوقوع ليد هذا العدوّ ، الذي يحول بينه وبين الخير المدعوّ إليه من قبل ربّه ، وهو الجهاد في سبيل اللّه .. وذلك لا يكون إلا بالفرار من وجه هذا العدوّ ، واتخاذ وجهة أخرى غير الوجهة القائمة على سمته .. وتلك هى وجهة الجهاد في سبيل اللّه.وفى قوله تعالى: « اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ » كناية عمّا يستولى على الإنسان من مشاعر التحير والانهزام ، حين يواجه امتحانا عسيرا ، لم يكن مهيّأ له من قبل ولم يكن على نية صادقة ، وعزيمة مجتمعة لخوض غماره ..وأصل « اثَّاقَلْتُمْ » تثاقلتم ، فأدغمت التاء في الثاء ، لتقارب مخرجيهما ، ثم جىء بهمزة الوصل ، حتى لا يبدأ بحرف ساكن ، الأمر الذي لا تستسغيه العربية .. و « التثاقل » : التباطؤ ، والتحرك في ثقل .. لأن شأن كل ثقيل أن يكون بطيء الحركة ..وفى التعبير بلفظ « التثاقل » الذي يدلّ على التصنع والادعاء ، مثل « تباكى » أي ادعى البكاء ، وتغافل أي ادّعى الغفلة ـ في هذا ما يشير إلى أن هذا التثاقل من المتثاقلين ، لا يستند إلى أسباب حقيقية تقوم في نفس المؤمن باللّه ، وإنما هى تعلّات تقع في بعض النفوس التي دخل على إيمانها شىء من الضعف والوهن .. فتتلمس المعاذير ، وتصطاد الذرائع التي تثقل خطوها عن اللحاق بركب المجاهدين. وفى تعدية الفعل « اثّاقلتم » بحرف الجر « إلى » بدلا من حرف الجرّ « على » أو « في » إذ يقال تثاقل على الأرض ، أو تثاقل في الأرض ـ في هذه التعدية بإلى كما جاء عليه النظم القرآنى ، ما يحقق أمرين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت