الصفحة 172 من 234

أولهما: إشارة إلى أن هؤلاء المتثاقلين إنما ينحدرون انحدارا إلى الأرض ، ويهوون هويّا من عل إليها .. وذلك لأنهم وهم المؤمنون باللّه ، هم بهذا الإيمان في مستوى عال في هذه الحياة التي يحياها الناس .. وأنهم وهذا شأنهم ، ينبغى أن تكون وجهتهم دائما إلى السماء ، وأن يكون متعلّقهم بها ، وآمالهم فيها ..

وأن تلفّتهم إلى الأرض ، وانحدارهم إليها ، هو رجعة إلى الوراء ، ونكوص على الأعقاب ..

وثانى الأمرين: أن التثاقل إلى الأرض يفيد الاختلاط بها ، والامتزاج بترابها .. وأن هذا الإنسان المؤمن الذي كان يحلّق بإيمانه فوق هذا العالم الترابي ، قد أصبح بهذا التثاقل في عداد هذه الكائنات التي تدبّ على الأرض ، من هوامّ وحشرات! ومن هذه الصورة التي ترتسم للمؤمن من كلمة « اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ » ما يريه المصير الذي هو صائر إليه ، إن هو أمسك بنفسه مع هؤلاء المتثاقلين على الأرض ، حين يدعو داعى الحق: أن حىّ على الجهاد في سبيل اللّه ..

وفى قوله تعالى: « أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ » إنكار على هؤلاء الذين يفاضلون بين الحياة الدنيا والآخرة ، بل ويفضّلون الحياة الدنيا على الآخرة ، بعد أن رأوا بأعينهم ما انكشف لهم من قوله تعالى: « اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ .. » فذلك غبن فاحش لا يرضاه عاقل لنفسه ، ولا يصبر عليه لحظة ، إن هو وقع فيه.

ثم يجىء قوله تعالى: « فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ » حقيقة كاشفة مقررّة ، يجدها بين يديه من لم ينكشف لبصره أو لبصيرته ما حملت من كلمات اللّه إليه من عرض هذا الوضع السيء الذي هو فيه من تثاقل إلى الأرض ، ومن إيثار الحياة الدنيا على الآخرة ، وما على هذه الأرض على ما في السماء! يجىء بعد هذا قوله تعالى: « إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » ـ يجىء حاملا مقارع من حديد ، يوقظ بها هؤلاء النيام الذين لا توقظهم العبرة ولا الموعظة الحسنة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت