إنهم إن لم ينتزعوا أنفسهم من هذه الأرض التي لصقوا بها ، وإن لم يخفّوا إلى القتال مسرعين ، أخذهم اللّه بعذابه ، وأنزلهم منازل الهوان والنقمة ، وأقام مقامهم قوما آخرين ، يجاهدون في سبيل اللّه ، ويأخذون هذا المقام الكريم الذي كان مهيأ لهم من قبل ، فتخلّوا عنهم مختارين ، حين تثاقلوا عن الجهاد ، واستحبّوا الحياة الدنيا على الآخرة .. وإنهم بهذا قد أوقعوا الضرر بأنفسهم ، وأخذوا الطريق المؤدّى بهم إلى الهلاك ، ولن يضروا اللّه شيئا .. فإن اللّه ـ سبحانه ـ غنىّ عن العالمين .. وإن له ـ سبحانه ـ أولياء كثيرين ، ينصرون دينه ، ويجاهدون في سبيله: « وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ » (38: محمد) .
فتلك هى سنّة اللّه في عباده « لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » فهناك منحرفون ضالون يتحولون إلى طريق الحق والإيمان .. وهناك مستقيمون مؤمنون ينحرفون إلى طريق الغواية والضلال .. وذلك ليظل الناس في حركة ، وعمل .. فمن كان على طريق الحق والتقوى ، كان عليه ـ لكى يحتفظ بمكانه على هذا الطريق ـ أن يحرس نفسه من أهوائها ونزعاتها ووساوس الشيطان لها .. ومن كان على شعاب الظلام والضلال ، كان له ـ إذا شاء ـ أن يتحول إلى طريق النور والهدى .. « وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .. ومن مظاهر قدرته ، هذه الغير التي تقع بالناس ، فتنقلهم من حال إلى حال ، ومن أسفل إلى أعلا ، ومن أعلا إلى أسفل .. فليحذر الإنسان ـ وخاصة إذا كان على الإيمان ـ أن يأخذ اتجاها منحرفا عما يدعوه إليه الإيمان .. فإن ذلك من شأنه أن يعرضه للخروج من الإيمان آخر الأمر ، وليذكر دائما قوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » .
قوله تعالى: « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » .
فى هذه الآية الكريمة أمور: