أولا: صلتها بالآيات التي قبلها .. حيث تبدو الصلة غير واضحة في ظاهر الأمر بين هذه الآية ، وما جاءت به الآيات قبلها من مقررات وأحكام ..
والذي يمعن النظر في الآية الكريمة يرى أنها تطبيق مؤسس على مقررات الآيات السابقة ، حيث جاء في قوله تعالى: « إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .. فقد قررت هذه الآية فيما قررت ، أن اللّه إذا أراد نفاذ أمر فلن تقف دونه قوة في هذا الوجود ، وأنه ـ سبحانه ـ قد أراد إعزاز دينه ، وإظهاره على الدين كلّه ، وأن المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل اللّه ما هم إلا أدوات عاملة في مجال تلك الإرادة التي أرادها اللّه ، ليكتب لهم عند اللّه الأجر العظيم ، والمثوبة والرضوان ، وأن إرادة نافذة على أي حال ..
وفى قوله تعالى: « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ » شاهد قائم ، رآه المسلمون رأى العين .. وهو أن اللّه قد نصر النبىّ الكريم ، وخلّصه من يد المشركين الذين كانوا له بمرصد ، على كل ثنيّة ، وعلى كل طريق ... ولم يكن مع النبىّ الكريم قوّة ظاهرة ، لم يكن إلا هو وصاحبه أبو بكر .. وكانا أعزلين من كل سلاح ، إلا سلاح الإيمان الذي يملأ قلبيهما ، مجرّدين من كل قوة ، إلا قوة الحقّ الذي في يديهما ، محرومين من كل نصير ، إلا عون اللّه لهما ، وحراسته القائمة عليهما.
ثانيا: لم يذكر النبىّ الكريم ذكرا صريحا ، وإنما جاءت الإشارة إليه مضمرة في ضمير الغائب .. هكذا « إِلَّا تَنْصُرُوهُ » ..وفى هذا إشارة مضيئة تشير إلى النبي الكريم ، وتحيطه بهالة من نور ربانىّ ، بحيث تشخص الأبصار كلّها إلى هذا النور العلوىّ الذي يفاض على النبىّ ، ويحفّ به .. فليس هناك من تخلّى عنه الأنصار والأعوان ـ في هذا الموقف بالذات ـ غير النبىّ ، وليس هناك أيضا من أحاطت به العناية الربانية ، وحفّت به أمداد العون والنصر الإلهي ـ في هذا الموطن بالذات أيضا ـ غير النبىّ .. فكانت الإشارة إليه ـ في هذا الموقف بالذات ـ مغنية عن كل ذكر ، وكانت الإماءة إليه أبلغ من كل تصريح ..
ثالثا: لم يذكر اسم الصاحب الذي صحب النبىّ في هذه الحال ، بل جاء على النسق الذي جاء عليه ذكر النبىّ .. « إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا