الصفحة 175 من 234

»..وفى هذا تشريف لمقام أبى بكر ـ رضوان اللّه عليه ـ وتمجيد لتلك الصحبة المباركة ، التي جعلت منه صاحب نبىّ ، ورفيق رسول ، يأخذ بنصيب طيّب من رعاية اللّه لنبيّه ، ويستظل بما استظل به النبىّ من نصر اللّه وتأييده.وأبو بكر في هذا المقام هو القوة المادية الظاهرة ، من الإنسانية كلها ، التي كانت تسند النبىّ ، وتشدّ أزره ، وتؤنس وحدته ، وتقتسم الضّراء ـ بل قل السّرّاء ـ معه! فقد كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ـ في هذا الموقف ـ جبهة يحاربها الشرك كلّه ، ويكيد لها المشركون كلّهم .. وكان أبو بكر رضوان اللّه عليه ، هو وحده كلمة الحقّ ، والإيمان ، التي أراد اللّه سبحانه وتعالى لها هذا المقام الكريم ، إلى جانب النبىّ الكريم ..

وإنه بحسب أبى بكر ـ رضوان اللّه عليه ـ من التكريم والتشريف أن يكون اليد الأخرى المباركة التي تحمل مع النبي الكريم رسالة السماء ، ودعوة الحق ، إلى حيث أراد اللّه لها أن تطلع بنورها ، وتمنح الناس ما فيها من هدى ورحمة ، وأمن وسلام ..

ثالثا: في قوله تعالى: « فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » .عاد الحديث عن النبي وحده ، بضمير المفرد « فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » ... كما بدأ الحديث عنه وحده: « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ » . وعدم ذكر أبى بكر في هذين المقامين ـ البدء والختام ـ لا ينقص من قدر أبى بكر ، ولا يزحزحه عن مقامه الكريم ، الذي رفعه اللّه سبحانه وتعالى إليه بقوله: « إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا » .. إذ لا شك أن الموقف هو موقف الرسول ، وأن الرسالة هو صاحبها ، والمدعوّ إليها من ربه ، وإنه ليكفى أبا بكر شرفا أن ينفرد بهذا المقام الكريم ، فيكون للنبىّ ردءا وعضدا ، في وقت كان النبىّ الكريم يواجه فيه وحده المشركين جميعا ..والسكينة ، هى الطمأنينة التي تحلّ بالقلب ، فيجد الإنسان المكروب ريح الأمن ، وبرد السلامة والعافية .. وهى مأخوذة من السكون ، أو السكن ، بمعنى القرار .. « وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها » .. هى قوى من قوى الحق ، أمدّه اللّه بها ، فكانت عينا تحرسه ، ويدا تردّ من يريد السّوء به ..وفى التعبير عن حلول السكينة قلب النبىّ بإنزالها عليه ، إشارة إلى أنها منزلة من السماء ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت