الصفحة 176 من 234

وأنها من قوى الحقّ التي أمدّ اللّه نبيّه بها ، وليست من القوى التي يملكها الناس ، ويستندون إليها ..

« وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى » أي أن اللّه أبطل كيدهم ، وأفسد تدبيرهم .. والمراد بالكلمة هنا ، الحال والشأن والأمر .. بمعنى أن المشركين وقد فوّت اللّه عليهم ما أرادوا بالنبيّ من سوء ، وأبطل ما دبروا من كيد ، وما بيّتوا له من عدوان .. فإن ذلك يحدّث عن ضعفهم وهوانهم ، أمام تلك القوة القادرة القاهرة .. وإذا كانت الكلمة تعبيرا عن إرادة المتكلم بها ، وتصويرا لمشيئته التي يريد إمضاءها ، فإن إنفاذ هذه الإرادة ، وإمضاء تلك المشيئة ، إنما يكون بحسب ما عند المتكلم من رصيد من القوى التي يحشدها وراء كلمته ، ليقيم لها مكانا في عالم الواقع المحقق .. وإنه حين تبطل الكلمة ، ولا تجد لها مكانا في الواقع المحقق ، يكون ذلك دليلا قائما على ضعف صاحبها ، وسقوط همته .. وأن كلماته التي ينطق بها ليست إلا أصواتا ضائعة في الهواء!.

وفى التعبير عن كلمة اللّه بالعلوّ ، إشارة إلى أن كلمات اللّه سبحانه ، هى في المكان المتمكن ، الذي تستولى به على كل شىء ، بحيث لا تقف لها قوة ، ولا يحول دونها حائل ..وفى وضع ضمير الفصل « هى » بين المبتدأ والخبر في قوله سبحانه: « وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا » إشارة أخرى إلى كلمة اللّه ، وإلى تحقيقها ، وإفرادها بهذه المنزلة دون غيرها من الكلام البشرى على أي مستوى .. فهى وحدها هى العليا ، المتفردة بهذا المقام المتمكن من العلوّ ..ولهذا جاء بعدها الوصف المناسب للّه سبحانه وتعالى ، صاحب هذه الكلمة: « وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » .. فهو العزيز الذي لا عزة لأحد مع عزّته ، وهو الحكيم الذي ـ مع ماله من عزّة مطلقة ، ومن سلطان لا ينازع ـ يضع الأمور مواضعها القائمة على ميزان الحكمة والعدل والإحسان ..

أما هؤلاء المشركون ، الذين يستشعرون العزّة والقوة من أنفسهم على غيرهم من الضعفاء ، فإن عزّتهم عزة غاشمة جهولة ، وقوتهم قوة عمياء حمقاء ، تضرب بغير حساب ، ولا تقدير! والغار الذي تشير إليه الآية الكريمة ، هو غار ثور ، في أعلى جبل يقال له جبل ثور ، على مسيرة ساعة من مكة ، على يمين المتجه إلى المدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت