الصفحة 180 من 234

ويضرب اللّه لهم المثل من الواقع التاريخي الذي يعلمونه ، على نصرة اللّه لرسوله بلا عون منهم ولا ولاء ، والنصر من عند اللّه يؤتيه من يشاء: « إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ. إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ، وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» ..

ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعا ، كما تضيق القوة الغاشمة دائما بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعا ، ولا تطيق عليها صبرا ، فائتمرت به ، وقررت أن تتخلص منه فأطلعه اللّه على ما ائتمرت ، وأوحى إليه بالخروج ، فخرج وحيدا إلا من صاحبه الصدّيق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة. والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وصاحبه: «إِذْ هُما فِي الْغارِ» .

والقوم على إثرهما يتعقبون ، والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه.

والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه ، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟» .

ثم ماذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - صلى اللّه عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار: «وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى » .

وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة: «وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا» ..

وقد قرئ «وكلمة اللّه» بالنصب. ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير.

فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلا ، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة. واللّه «عزيز» لا يذل أولياؤه «حكيم» يقدر النصر في حينه لمن يستحقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت