الصفحة 179 من 234

وما يحجم ذو عقيدة في اللّه عن النفرة للجهاد في سبيله ، إلا وفي هذه العقيدة دخل ، وفي إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق» . فالنفاق - وهو دخل في العقيدة يعوقها عن الصحة والكمال - هو الذي يقعد بمن يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل اللّه خشية الموت أو الفقر ، والآجال بيد اللّه ، والرزق من عند اللّه.

وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.

ومن ثم يتوجه الخطاب إليهم بالتهديد: «إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ، وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..

والخطاب لقوم معينين في موقف معين. ولكنه عام في مدلوله لكل ذوي عقيدة في اللّه. والعذاب الذي يتهددهم ليس عذاب الآخرة وحده ، فهو كذلك عذاب الدنيا. عذاب الذلة التي تصيب القاعدين عن الجهاد والكفاح ، والغلبة عليهم للأعداء ، والحرمان من الخيرات واستغلالها للمعادين وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الكفاح والجهاد ويقدمون على مذبح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء. وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب اللّه عليها الذل ، فدفعت مرغمة صاغرة لأعدائها أضعاف ما كان يتطلبه منها كفاح الأعداء ..

«وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ» .. يقومون على العقيدة ، ويؤدون ثمن العزة ، ويستعلون على أعداء اللّه: «وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا» ..

ولا يقام لكم وزن ، ولا تقدمون أو تؤخرون في الحساب!

«وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» ..لا يعجزه أن يذهب بكم ، ويستبدل قوما غيركم ، ويغفلكم من التقدير والحساب! إن الاستعلاء على ثقلة الأرض وعلى ضعف النفس ، إثبات للوجود الإنساني الكريم. فهو حياة بالمعنى العلوي للحياة: وإن التثاقل إلى الأرض والاستسلام للخوف إعدام للوجود الإنساني الكريم. فهو فناء في ميزان اللّه وفي حساب الروح المميزة للإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت