الصفحة 178 من 234

بل هى قبل ذلك كله معركة مشاعر وأحاسيس ، بمعنى أن الأمة كلها ينبغى أن تكون في مواجهة المعركة على شعور واحد ، ينتظم جميع أفرادها ، هو شعور مواجهة العدوّ ، والتصدّى له ، وطلب الغلب عليه .. فهذا الشعور هو الذي يجعل الأمة الإسلامية كلها جيشا واحدا يحمل السلاح ، ويضرب في وجه العدو ..ومناسبة هذا الآية لما قبلها أنها أشبه بالتطبيق العملي لما تكشف عنه الآيات السابقة من نصر اللّه سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم ، وأن من كان من حزب اللّه فلن يغلب أبدا ، ولو كان وحده .. فليأخذ المسلمون مكانهم في الجهاد في سبيل اللّه ، فيكونوا من حزب اللّه.

هذا ، ويلاحظ أن هذه الدعوة المشدّدة إلى القتال ، واستنفار المسلمين جميعا للجهاد في سبيل اللّه ، إنما كانت إرهاصا بدعوة المسلمين إلى ابتلاء جديد ، بلقاء عدو جديد ، في وطن جديد .. وذلك في غزوة تبوك التي كانت آخر غزوة غزاها النبىّ .. كما سنعرض لها فيما بعد .. إن شاء اللّه .. [1]

إنها ثقلة الأرض ، ومطامع الأرض ، وتصورات الأرض .. ثقلة الخوف على الحياة ، والخوف على المال ، والخوف على اللذائذ والمصالح والمتاع .. ثقلة الدعة والراحة والاستقرار .. ثقلة الذات الفانية والأجل المحدود والهدف القريب .. ثقلة اللحم والدم والتراب .. والتعبير يلقي كل هذه الظلال بجرس ألفاظه: « اثاقلتم» . وهي بجرسها تمثل الجسم المسترخي الثقيل ، يرفعه الرافعون في جهد فيسقط منهم في ثقل! ويلقيها بمعنى ألفاظه: «اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ» .. وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل وتقاوم رفرفة الأرواح وانطلاق الأشواق.

إن النفرة للجهاد في سبيل اللّه انطلاق من قيد الأرض ، وارتفاع على ثقلة اللحم والدم وتحقيق للمعنى العلوي في الإنسان ، وتغليب لعنصر الشوق المجنح في كيانه على عنصر القيد والضرورة وتطلع إلى الخلود الممتد ، وخلاص من الفناء المحدود: «أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ؟ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ» .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 769)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت