« قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ » .هذا هو الشاهد ، والحكم بينى وبينكم ، فردّوا عليه شهادته إن استطعتم! وقوله تعالى: « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » تلك هى القضية التي بينى وبينكم ، وقد أدليت بشهادتى فيها ، بين يدى أحكم الحاكمين .. «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ » من ربّ العالمين « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ » وأحذركم من عذاب يوم عظيم ، إن أنتم لم تصدقوا برسالتى ، ولم تؤمنوا بما بين يدىّ مما أوحى إلىّ ، ولست رسولا إليكم وحدكم ، بل إن رسالتى إليكم وإلى كل من تبلغه ، وتصل إليه بلساني ، أو بلسان من يدعو بها ، فهى رسالة عامة للناس جميعا ، فمن بلغته ولم يؤمن بها ، فقد حقّ عليه ما حقّ على الكافرين منكم « لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ » وفى عطف قوله تعالى: « وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ » على قوله تعالى: « اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ » تفويت على أولئك المكابرين المعاندين أن يجدوا فسحة من الوقت يردّون بها الشاهد الذي أشهده الرسول عليهم ، وإلغاء لكل شاهد يقيمونه في هذا الموقف غير اللّه سبحانه وتعالى ، وقطع للجاجهم وعنادهم ، وإمساك بآذانهم أن تنحرف عن هذا الموقف الذي هم فيه.
وقوله تعالى: « أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى » هو تقرير لهم من الرسول ، وهم في هذا الموقف ، بعد أن أوقفهم بين يدى اللّه ، وأشهده عليهم ..
ومع هذا ، فإن العناد لا يزال مستوليا عليهم ، وإن اللجاج لا يزال يضرب بأمواجه فوقهم ..
ولهذا ، فإن الرسول الكريم ، لا ينتظر جوابهم ، إذ كان جوابا منحرفا عن الحق ، بعيدا عن الهدى .. فليتركهم وشأنهم ، وبين أيديهم دعوة الحق ، وأمامهم طريق الهدى ، فإن أطاعوا فقد اهتدوا ، وإن تولّوا فإنما هم في ضلال وخسران .. أما الرسول الكريم ، فعلى الطريق الذي أقامه اللّه عليه .. « قُلْ لا أَشْهَدُ » أن مع اللّه آلهة أخرى. « قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » .
وفى قوله تعالى: « قُلْ » تثبيت للنبى من ربّه ، ووضع للكلمة التي ينبغى أن يقولها ، على لسانه وفى قلبه .. يتلقاها من اللّه ، فتلتقى مع الكلمة التي يريد أن يقولها ، فإذا هى نور في قلبه ، وقوة في عزمه ، وطمأنينة في صدره ، ولطف عظم من ألطاف ربه .. وفى تكرار «