الصفحة 48 من 234

قل » مع كل قول من اللّه تعالى لهم ، كمال عناية ، وتمام رعاية من اللّه سبحانه « للنبى » حيث يجد مع كل نفس يتنفّسه ، وحي السماء يقول له: قل .. قل .. قل .. وبهذا يشتدّ عزمه ، وتثبت في لقاء الكافرين قدمه. [1]

إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة ، ومشهدا مشهدا ، ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور ..

فها هو ذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يؤمر من ربه هذا الأمر .. ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون اللّه أولياء يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع اللّه ويدعون رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان ، من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما للّه بينما هو يتلقى من غير اللّه في شؤون الحياة وبينما هو يخضع لغير اللّه ويستنصر بغير اللّه ، ويتولى غير اللّه!

ها هو ذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يواجه هؤلاء المشركين ، ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم ، وبين توحيده وشركهم ، وبين إسلامه وجاهليتهم. وليقرر لهم: أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم ، إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه. وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر لأنه يفترق معهم في أول الطريق! وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف: «قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» ..

أيّ شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة؟ أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة؟ أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة؟

وللتعميم المطلق ، حتى لا يبقى في الوجود كله «شي ء» لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة: يكون السؤال: «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 145)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت