أما من يؤدون الجزية ممن يدخلون في حكمها ، فقد اختلف الأئمة فيهم ..فبينما يرى مالك والأوزاعى أنها تؤخذ من جميع الواقعين تحت حكمها فردا فردا ، إذ يرى أبو حنيفة أنها لا تؤخذ من امرأة ، ولا صبّي ، ولا زمن ، ولا أعمى ..ورأى أبى حنيفة أقرب إلى سماحة الإسلام ، وإلى مرامي أهدافه البعيدة. في تأليف القلوب ، ودعوتها إليه بالتي هي أحسن.
وأخذ الجزية من أهل الكتاب ، وأداؤهم لها على هذا الوجه الذي يؤدونها عليه في ذلة وصغار هو في الواقع ليس عن دافع من التعالي والكبر من المسلمين ، وإنما هو إثارة لدوافع الإنسانية عند هؤلاء الذين يؤدون الجزية ، ولتحريك الرغبة فيهم إلى الخلاص من هذا الوضع المشين ، وذلك بمراجعة معتقدهم .. من جهة ، والنظر في وجه الدعوة التي يدعوهم الإسلام إليها .. من جهة أخرى .. وهذا إن فعلوه فإنه لا بد أن يصحح عقيدتهم ، ويفتح عقولهم وقلوبهم للدين الحق ، دين اللّه ، دين الإسلام.
وهذا هو السرّ في الإبقاء على أهل الكتاب حين يقعون بيد المسلمين ، وصيانة دمهم من القتل ، وقبول الدّية منهم .. فإن هذا التدبير إنما غايته هو وضع أهل الكتاب في هذا الامتحان ، وتلك التجربة .. ولقد أثمر هذا الامتحان ونجحت تلك التجربة ، فإنه ما من أحد من أهل الكتاب ، دخل في هذا الامتحان وعاش تلك التجربة ، وأخذ مكانه مع المسلمين على هذا الوضع ، حتى وجد الفرصة سانحة ، والوقت متسعا ، للبحث والنظر في معتقده ، والمعتقد الذي يدعَى إليه .. وكان من هذا أن دخل في الإسلام ، وآمن به عن اختيار واقتناع ..
ومن بقي على دينه من أهل الكتاب ـ وهم قلة شاذة ـ فقد كانت آفة ذلك إلى تعصب أعمى ، وانقياد لهوى جامح ، لا يمسكه عقل ، ولا يردّه رأى!
فلم تكن الجزية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب ضربا من التحكم ، ولا نزعة من نزعات القهر والتسلط ، وإنما هي ـ كما رأينا ـ دعوة حكيمة من دعوات الإسلام إلى الإيمان باللّه ، وأسلوب من أساليبه المحكمة ، في فتح الأبصار المغلقة ، إلى النور ، ولفت العقول الشاردة ، إلى الهدى ، وإيقاظ القلوب الغافية ، لاستقبال آيات اللّه وكلماته ..