فيجب على الحُكَّام الحكم بحكم الله وشرعه، وعلى المحكومين التحاكم إلى ما أنزل الله في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} .
فقوله: {يزعمون} ، دل على كذب دعواهم الإيمان بما أنزل الله لمخالفتهم لموجبها وعملهم بما ينافيها.
ثم بين وأقسم سبحانه وتعالى؛ أنه لا يجتمع الإيمان مع التحاكم إلى غير ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} .
فنفى الله الإيمان مؤكدًا ذلك بالقسم عمن لم يتحاكم إلى ما أنزل الله ويرضى بحكمه ويسلم له.
ونفي الإيمان هنا يدل على أن تحكيم ما أنزل الله بين الناس إيمان، وقُربة يتقرب بها إلى الله، فيجب مع التحكيم اعتقاد ذلك دينًا وتعبدًا، لا أنه أصلح للناس فحسب.
وتحكيم شرع الله؛ واجب في جميع ما يقع بين العباد من خصومات، وفي كل شئون الحياة، ولذا قال تعالى: {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ، فاسم الموصول"ما"مع صلته من صيغ العموم، فالحكم عام في الدماء والأموال والأعراض وسائر الحقوق.
ومن بدّل شريعة الله بغيرها من القوانين فهذا كفر، فقد حكم الله بكفر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، فقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} .
وقد روى المروزي في"تعظيم قدر الصلاة"وابن جرير في"تفسيره"وعبد الرزاق في"المصنف"من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، قال: (هي به كفر) .
وأخرجه ابن أبي حاتم والحاكم في"المستدرك"والبيهقي في"السنن"والمروزي في"تعظيم قدر الصلاة"وابن عبد البر في"التمهيد"عن هشام بن حجير عن طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، قال: (كفر دون كفر) .
وهشام بن حجير؛ ضعفه أحمد وضعفه ابن معين جدًا وقال ابن عيينة: (لم نكن نأخذ عن هشام بن حجير ما لا نجده عند غيره) ، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه) ، وذكره العقيلي في الضعفاء، ووثقه العجلي وابن سعد، والأول أشبه.
وروي معنى اللفظ الثاني موقوفًا على طاووس بسند صحيح، وروي معناه عن عبد الله بن عباس، رواه عنه علي بن أبي طلحة، ورواية علي أمثل من رواية ابن حجير، لأن روايته صحيفة عن ابن عباس.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالة"تحكيم القوانين": (إن من الكفر الأكفر المستبين تنزيل القانون اللعين، منزلة ما نزل به الروح الأمين، على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين) انتهى.
وقد نصب كثير ممن ينتسب للإسلام قوانين وضعية، فأمروا من ولاهم الله أمره بالتحاكم إليها، وعاقبوا من خالفهم إلى حكم الله، ومع هذا يدّعون الإقرار بالشهادتين ووجوب الحكم بشريعة الله، فهذا العمل يدل على عدم إقرارهم بذلك باطنًا، ولو أقروا به ظاهرًا.
ومن منع عقوبة الزنا إذا تراضيا، أو بدّل حكم السرقة من القطع إلى التعزير بالبدن أو المال، أو حكم بحرية الاعتقاد فلا يُقتل مرتد ولا يُستتاب؛ فكل ذلك من الكفر والضلال المبين.
وتنحية الشريعة الإسلامية وعدم التحاكم إليها عند الخصومات وغيرها في شئون الحياة؛ من أخطر وأوضح مظاهر الضلال والانحراف في هذا الوقت في مجتمعات المسلمين.
والتحاكم إلى آراء المخلوقين من دون حكم الله؛ ضلال وفتنة في الدين والدنيا.