الناقض الثالث؛ (من لم يُكفِّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر) .
ومن حكم الله بكفره من أهل الكتاب والمشركين وأهل الإلحاد وأهل الردة وغيرهم؛ يجب القطع بكفرهم، وهذا من لوازم التوحيد، فالتوحيد لا بد فيه من أمرين:
الأول: الكفر بالطاغوت.
الثاني: الإيمان بالله.
وهذا هو معنى كلمة التوحيد - لا إله إلا الله - فمعناها: لا معبود بحق إلا الله.
فقولنا"لا إله"؛ نفي لأحد يستحق العبادة، وكفر بالطاغوت، وقولنا"إلا الله"؛ إيمان بالله واستثناء لعبوديته وحده.
قال تعالى مبينًا هذين الأمرين: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا} .
فمن لم يكفِّر المشركين أو أهل الكتاب أو توقف في كفرهم، مع وضوح حالهم؛ فهو كافر بالله وبكتابه وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، مُكذّب لعُموم رسالته للناس أجمعين، مرتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، بإجماع المسلمين، فلا بد للمسلم من الجزم واعتقاد كفرهم.
قال القاضي عياض في"الشفا" [2/ 1071] : (ولهذا نكفِّر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك) انتهى.
ومن باب أولى كُفر؛ من قال أن أهل الكتاب اليهود والنصارى أصحاب شريعة سماوية مجتهدون فيما هم عليه، فهم على حق، فهذا كافر بالله.
ومثله من قال: من أحب أن يتدين باليهودية أو النصرانية أو بالإسلام فهو مُخيّر في ذلك، فكلهم على حق.
وهذه القول معروف عند بعض الملاحدة السابقين كابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم، الذين يقولون: أنه يسوغ للرجل أن يتمسك بالنصرانية واليهودية كما يتمسك بالإسلام، ويجعلون هذا التمسك كتمسك أصحاب المذاهب الأربعة بمذاهبهم، ويقولون: كلها مسالك توصل إلى الله.
وهذا الناقض؛ قد عمت به البلوى وطَمَّت، ونادى به كثير ممن طمس الله بصيرته، فنادوا بِحُرية الأديان ووحدتها والتقريب بينها، وزعموا أن كلها على حق، وأن لا عداوة مُطلقًا بين أهل الإسلام وغيرهم من الملل الكفرية، وجعلوا تبيين هذا الناقض للناس وتوضيحه عنصرية وغُلوًّا وتشددًا، وإحياءً للعداوة والبغضاء بين الأمم والشعوب، وبقولهم هذا يُهدم الإسلام ويُثلم، وهو ردّة ظاهرة وكفر صريح.
وهي دعوة مناقضة للتوحيد مباينة لدعوة الرسل، وتنوعت عباراتهم في عدم تكفير المشركين وأهل الكتاب أو التشكيك في كفرهم بزعم جمع كلمة الناس، ونبذ الكراهية من قلوب الشعوب.
وصاحب هذه الدعوى وهذه المزاعم؛ قد جمع مع هذا الناقض المخرج من الملة، اتهام شريعة الله المُنزّهة بإفساد الشعوب وخلق الفتن والكراهية بين الناس التي لا ثمرة لها، ومصلحة المسلمين في غير ذلك، فهذا وإن لم يقل هذا القول بلسان مقاله فإنه يقوله بلسان حاله.
ودعوة وحدة الأديان وحريتها والتقريب بينها؛ تتكيء على نِحلة عصرية الاسم قديمة المذهب والمشرب، كفرية إلحادية، وهي العَلمانية، ومع كون هذه النِحلة تنكر الأديان، وتعتمد على المادية التي لا موجه لها، إلا أنها تسعى لإماتةِ الدين في النفوس بواسطة دعوى حرية الدين والتقريب بين العقائد ونبذ الخلاف.
وهؤلاء لم يعرفوا قدر الحياة التي دعا إليها الإسلام، ولا تعدو نظرتهم لها أن تكون نظرة بهيمية بل هم أضل سبيلًا، وذلك أنهم لم يعملوا لمصيرهم، والبهائم لا مصير لها ينتظرها، ولا عقل لها تفكِّر به بخلاف أولئك المُلْحدين، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .
وهذه هي الحنيفية ملّة إبراهيم: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} .
فلا بد للمرء أن يجرد توحيد ربه تبارك وتعالى، فلا يدع معه غيره ولا يشرك به طرفة عين، ويتبرأ من كل معبود سواه.