الصفحة 34 من 36

والكفر؛ حكم شرعي.

والكافر؛ هو من حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بكفره.

فليس الكفر من حق أحد من الناس، بل هو من حقوق الله تعالى.

والجهل بدين الله؛ أصل كل بلية وشر، فهو سبب الذنوب والمعاصي كبيرها وصغيرها، والمعاصي سبب كل شر في الدنيا ومادته، فعاد كل شر فيها إلى الجهل، فهو إليه منتسب وعنه متفرع.

وكل صفة مدح؛ فهي ثمرة العلم ونتيجته، وكل صفة ذم؛ فهي ثمرة الجهل ونتيجته، وكما قيل: (خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل) .

والجهل؛ دركات، وأصحابه متفاوتون فيما بينهم على أبعد مما بين السماء والأرض، وما كل جاهل معذور.

والجهل بأصول الدين والملِّة، وكليات الأمور الاعتقادية؛ لا يُعْتبر عذرًا، فإفراد الله بالعبادة ونبذ ما سواه من المعبودات الباطلة هو المقصود من الشهادتين، ولب دين الإسلام، فالشارع قد شدد في عقائد أصول الدين تشديدًا عظيمًا، والأصل في أصول الدين وأحكامه الظاهرة الجليَّة عدم العذر بالجهل، ولو عذر الجاهل لأجل جهله لكان الجهل خيرًا من العلم - كما قال الشافعي -

فلا تقبل دعوى الجهل فيما يفعله المشركون عند القبور والأضرحة والمزارات من دعاء الأموات، والذبح لهم، والاستعانة بهم، وسؤالهم المغفرة، وطلب الشفاء، فكل هذا مما هو معلوم من دين الإسلام بالضرورة أنه شرك أكبر، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} ، وقال: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .

ومثل هذا؛ سب الشريعة، والاستهزاء بالدين والطعن فيه، فهذا لا يعذر صاحبه بجهله، إلا من كان حديث عهد بكفر، أو نشأ ببادية بعيدة، أو كان يسكن بين كفار، وتعذر عليه رفع الجهل عن نفسه.

وكذلك أركان الإسلام والمحرمات الظاهرة كالزنا واللواط وشرب الخمر؛ لا يعذر من هو بين المسلمين بجهلها ولا يقبل منه ذلك.

ويعذر الجاهل بترك شيء من الواجبات، كالصلاة والزكاة، وفعل شيء من المحرمات، كشرب الخمر ونحوه، إذا كان حديث عهد بكفر، أو نشأ ببادية بعيدة، أو يعيش في بلد بعيد عن بلاد المسلمين، كبعض بلاد أفريقية التي يتعذر فيها العلم والاحتراز من الجهل، وقد قرر هذا الأئمة في مواضع كثيرة.

قال الإمام القرافي في"الإعلام بقواطع الإسلام" [ص: 76] (واعلم أن الجهل نوعان؛ النوع الأول: جهل تسامح صاحب الشرع عنه فعفا عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما يتعذر الاحتراز عنه عادة فهو معفو عنه، النوع الثاني؛ جهل لم يتسامح صاحب الشرع عنه فلم يعف عن مرتكبه، وضابطه أن كل ما لا يتعذر الاحتراز عنه ولا يشق لم يعف عنه، وهذا النوع يطرد في أصول الدين وأصول الفقه وبعض أنواع الفروع، وأما أصول الدين؛ فلأن صاحب الشرع لما شدد في جميع الاعتقادات تشديدًا عظيمًا بحيث أن الإنسان لو بذل جهده واستفرغ وسعه لرفع الجهل عنه في صفة من صفات الله أو في شيء يجب اعتقاده من أصول الدين ولم يرتفع ذلك الجهل لكان بترك ذلك الاعتقاد آثمًا كافرًا يخلد في النيران على المشهور من المذاهب) .

وقال ابن رجب في"جامع العلوم والحكم" [ص: 83] (وفي الجملة؛ فما ترك الله وسول الله صلى الله عليه وسلم حلالًا إلا مبيَّنًا ولا حرامًا إلا مبيَّنًا لكن بعضه كان أظهر من بعض، فما ظهر بيانه واشتَهَر وعُلِم من الدين بالضرورة من ذلك، ولم يبق فيه شكٌ ولا يعذر أحد فيه بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حِلِّهِ أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت