الصفحة 15 من 36

الناقض الرابع؛ (من اعتقد أن هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، وكالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه) .

يجب أن يعتقد المسلم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره وحي من الله تعالى، فالسنة قسيمة للقرآن بالوحي، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} .

فكل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، فالأصل به أنه وحي من ربه بواسطة جبريل، وإن لم يُسنِده عنه في كل حال.

روى الخطيب في"الكفاية" [ص: 20] عن أحمد بن زيد بن هارون قال: (إنما هو صالح عن صالح، وصالح عن تابع، وتابع عن صاحب، وصاحب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله عن جبرائيل وجبرئيل عن الله عز وجل) .

وهذا هو إسناد شريعة محمّد عليه الصلاة والسلام، فلا يقول شيئًا في التشريع من تلقاء نفسه.

ولذا يسمي السلف القرآن والسنة"الوحيين"، وهذا مُسلَّم لدى المسلمين.

وقد ترجم البخاري في كتاب التوحيد من"صحيحه": (باب؛ ذكر النبي وروايته عن ربه) .

وفي هذا روى الدارمي وأبوداود في"المراسيل"والخطيب في"الكفاية"و"الفقيه والمتفقه"وابن عبد البر في"الجامع"والمروزي في"السنة"عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: (كان جبريل ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن) .

فالسنة وحي، وهذا متقرر عند أئمة الإسلام عامة من السلف والخلف.

قال الشافعي رحمه الله: (السنة وحي يتلى) انتهى.

ونحوه قال ابن حزم في"الإحكام" [4/ 505] : (والسنة موصوفة بالإنزال كالقرآن) .

قال الخطيب البغدادي في مقدِّمة"الكفاية" [ص: 2] : (وخلَّص الورى من زخارف الضلالة، بالكتاب الناطق والوحي الصادق، المنزلين على سيد الورى ... ) .

وقال العراقي في"طرح التثريب" [1/ 15، ط. الأزهرية] : (ووصف السنة بالإنزال صحيح فقد كان الوحي ينزل بها كما ينزل بالقرآن ... ) انتهى.

إذا عُلِم هذا عُلم أن من ردّ أو جحد السنة أو شيئًا منها، فقد ردّ أو جحد القرآن أو شيئًا منه.

ومعارض السنة معارض القرآن، فكلاهما من وحي الله، وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم خير هدي كما جاء في"صحيح مسلم"من حديث جابر مرفوعًا: (خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد) .

والوحيان ناسخان لكل شريعة سابقة، وهما أصلح شريعة يهتدى ويقتدى بها، فقد روى أحمد في"مسنده"من حديث محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن بن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: (الحنيفية السمحة) [وسنده جيّد] .

وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم كاملة لا نقص فيها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلاَمَ دِينًا} ، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاسْلاَمَ دِينًا} .

وألزم الله بلزومها: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الاسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الاخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

فمن اعتقد أن شيئًا من هدي الشرائع الأخرى سواءً كانت شرائع سماوية كاليهودية والنصرانية المحرّفة، أو التشريعات التي يضعها الناس ويقنِّنونها من دون الله خير من هدي محمّد صلى الله عليه وسلم وأنفع للناس، وأصلح لاستقامة حياتهم وأمنهم ومعيشتهم، فهو كافر خارج من الملة بإجماع المسلمين وإن حكم بما أنزل الله.

وقد أمر الله بالتحاكم إلى شريعته، ولزوم حُكم نبيه صلى الله عليه وسلم، فمن فضّل حُكمًا على حُكمه فهو كافر بالله العظيم.

فمن مقتضى الإيمان بالله ورسوله الخضوع لحكمه، والنزول عند شرعه، والرضا بأمره، ولزوم قضاءه في العقائد والأقوال والأفعال، والرجوع إلى كتاب الله وسنته عند الاختلاف في الخصومات والدماء والأموال وسائر الحقوق، فلا ينازع الله في حُكمه؛ {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت