وقال ابن تيمية في أثناء كلام له في ذم أهل الكلام من"مجموع الفتاوى" [4/ 54] : (وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال؛ إنه فيها مخطئ ضال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي تعلم العامة والخاصة من المسلمين أنها من دين المسلمين، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفَّر مخالفها، مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سوى الله، من الملائكة والنبيين والشمس والقمر والكواكب والأصنام، وغير ذلك، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداته لليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس، ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك، ثم نجد كثيرًا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأمور، فكانوا مرتدين) .
قال الشيخ سليمان بن سحمان النجدي: (أما قوله؛ نقول بأنَّ القول كفر ولا نحكم بكفر القائل، فإطلاق هذا جهل صرف، لأن العبارة لا تنطبق إلا على المعين، ومسألة تكفير المعين مسألة معروفة، إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال؛ من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعين إذا قال ذلك لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس، كما في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء، فإن بعض أقوالهم تتضمن أمورًا كفرية من رد أدلة الكتاب والسنة المتواترة، فيكون القول المتضمن لرد بعض النصوص كفرًا، ولا يحكم على قائله بالكفر لاحتمال وجود مانع كالجهل، وعدم العلم بنفس النص أو بدلالة السنة، فإن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغها - كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه في كثير من كتبه - وذكر أيضًا بكفر أناس من أعيان المكلفين بعد أن قرر المسألة، قال؛ وهذا إذا كان في المسائل الخفية فقد يقال بعدم التكفير وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية أو ما يعلم من الدين بالضرورة؛ فهذا لا يتوقف في كفر قائله) .
ومن يَعْذر أو لا يَعْذر بالجهالة مطلقًا بالتماثل على كل المسائل، فقد خالف مقاصد الشريعة وظواهر الأدلة من الكتاب والسنة وما عليه الأئمة.
ومن كان من أهل العذر بالجهل أو غيره؛ فلا يلزم من وقوعه في فعل المكفِّر أن يكفر بعينه، بل لا بد من توفر شروط تكفير المعيَّن وانتفاء موانعه، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} .
قال ابن تيميه في الفتاوى [12/ 487] : (التكفير له شروط وموانع، قد تنتفي في حق المعين، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، إلا إذا وجدت الشروط، وانتفت الموانع، يعين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة الذين أطلقوا هذه العمومات لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه ... ) انتهى.
وقال [12/ 498] : (وأما الحكم على المعين بأنه كافر، أو مشهود له بالنار؛ فهذا يقف على الدليل المعين، فإن الحكم يقف على ثبوت شروطه، وانتفاء موانعه) .
وقال ابن عبد الوهاب، كما في"الدرر السنية" [8/ 244] : (ومسألة تكفير المعيّن مسألة معروفة، إذا قال قولًا يكون القول به كفرًا، فيقال؛ من قال بهذا القول فهو كافر، لكن الشخص المعيّن إذا قال ذلك لا يحكم بكفره، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها) .
وقال ابن القيَّم في"طريق الهجرتين" [ص: 414] : (إن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص، فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى، كما أنها تقوم على شخص دون آخر، إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه كالذي لا يفهم الخطاب، ولم يحضر ترجمان يترجم له) .
ومن بلغته الحجة من القرآن أو من السنة على وجه يفهمها لو أراد ذلك، ثم لم يلتفت إليها ولم يعمل بها؛ فهذا لا يعذر بالجهل ولا بعدم فهمه، لأنه مفرط ومعرض، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ} .