الصفحة 21 من 36

والمستهزئ بالله أو آياته أو رسوله أو شيءٍ من دينه وشريعته؛ كافر بالله، حتى وإن زعم عدم قصده لحقيقة ما قال، وإن صلى وصام، فهو بذلك القول؛ مرتد، سواء اعتقده بقلبه أو اعتقد الإيمان بقلبه، ولذا هؤلاء المنافقون في الآية لم يكونوا يعلمون بكفرهم، وظنّوا أنهم معذورون، ومع هذا لم يقبل منهم ذلك، ولم يمنعهم من الردّة، وهذا حُكم الله يحكم ما يشاء لا مُعقّب لحكمه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله تعالى: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ، في"المجموع" [7/ 273] : (دل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرًا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله ورسوله يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم ولكن لم يظنوه كفرًا وكان كفرًا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه) انتهى.

والاستهزاء على نوعين:

أحدهما؛ الاستهزاء الصريح:

كمن نزلت فيهم الآية من المنافقين، وسبق ذكرهم وقولهم: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب ألسنًا ولا أجبن عند اللقاء) ، وكقول بعضهم عن الدين: هذا دين خامس، أو دين أخرق، والأمثلة في هذا النوع لا تحصى.

النوع الثاني؛ الاستهزاء غير الصريح:

كالغمز باليد وإخراج اللسان عند تلاوة كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو عند شعائر الله، وكرفع الصوت بالكلام عند قراءة القرآن أو عند سماع قول النبي صلى الله عليه وسلم استخفافًا بهما، فالاستخفاف والاستهزاء شيء واحد، وغير ذلك، وهذا النوع بحر لا ساحل له.

ولعظيم خطر الاستهزاء بالدين حذر الله من الجلوس مع المستهزئين فقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} .

قال ابن كثير في"تفسيره" [1/ 567] : (أي إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم الجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم في الذي هم فيه) انتهى.

ومن سبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كفر بإجماع المسلمين، نقل الإجماع على ذلك جماعة من الأعلام كإسحاق بن راهوية ومحمد بن سحنون وابن عبد البر وأبو بكر الفارسي والقاضي عياض والسبكي وابن تيمية وغيرهم.

قال القاضي عياض حاكيًا إجماع الأمة على ذلك في كتاب"الشفا" [2/ 932] : (اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرَّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر، ومنكر من القول وزورًا، أو عيَّره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لدية، وهذا كله إجماع من الصحابة وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا ... لا نعلم خلافًا في استباحة دمه بين علماءِ الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره) انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت