الصفحة 4 من 36

فالنوع الأول؛ الشرك الأكبر:

مخرج من الملة، مخلد صاحبه في النار، إن لقي الله غير تائب من شركه، وهو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الخالق سبحانه وتعالى، كالذبح لغير الله، لأهل القبور من الأولياء والصالحين أو الجن والشياطين، رغبة إليهم أو رهبة منهم، والخوف من أهل القبور والجن والشياطين أن يؤذوه ويضروه، ورجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من كشف الضر، وجلب النفع، وهذا ما يفعله كثير من الناس عند قبور الصالحين في هذا الوقت، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الارْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} .

وهذا تسوية للمخلوق بالخالق، قال تعالى عنهم في النار إذ يختصمون: {تاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فهو تسوية للمخلوق بالخالق في التعظيم، والمحبة التي هي روح العبادة.

وللشرك الأكبر أقسام أربعة:

الأول؛ شرك الدعوة - أي الدعاء:

وهو أن يدعو العبد غير الله كدعاء الله عبادة ومسألةً، فمن دعا غير الله كدعاء الله؛ فقد أشرك بالله، قال تعالى عن هذا النوع من الشرك: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} يشركون في الدعاء.

فمن كان مراده بالدعاء طلب نفع أو دفع ضر؛ فهذا دعاء المسألة.

ومن كان مراده الخضوع والانكسار والذل بين يدي الله جل شأنه؛ فهذا دعاء عبادة.

والدعاء بنوعيه - دعاء المسألة ودعاء العبادة - لا يجوز التوجه به لغير الله، فالدعاء من أعظم العبادات وأفضل القربات وأجل الطاعات، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} ، وقال آمرًا بدعائه وسؤاله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ، و {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} .

وروى الإمام أحمد وأهل السنن عن ذر عن يُسَيْعٍ عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة) ، ثم قرأ: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} .

ولهذا فمن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا هو؛ كان مشركًا، قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} .

الثاني؛ شرك النية والإرادة والقصد:

وهو أن يقصد ويُريد وينوي بعمله أصلًا غير الله جل شأنه، قال تعالى في هذا النوع من الشرك: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، فالأصل عند ورود إحباط العمل في القرآن أن سببه الشرك والكفر.

فمن قصد بعمله الدنيا لا غير، عجل الله له ما أراده، وأعطاه من الدنيا مقصده، لكن عمله عند الله حابط، وليس له في الآخرة إلا النار.

وأما ورود بعض النيات السيئة على نية العبد وقصده في شيء من أعماله، فهذا داخل في باب الشرك الأصغر الذي لا يخرج صاحبه من الملة، لكنه يقلّل ثوابه، وينقص أجره، وربما أفسد عمل العبد الذي دخل عليه من غير أن يخرجه من ملة الإسلام.

الثالث؛ شرك الطاعة:

وهو مساواة غير الله بالله في التشريع والحكم، فالتشريع والحكم حق جعله الله لنفسه، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} .

وقال سبحانه في هذا النوع من الشرك: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت