الصفحة 181 من 597

(( 5 ) )تكفير من لم يبايع إماما معينا

ومن الأخطاء الشنيعة في التكفير أيضا؛ تكفير من لم يبايع إماما معينا استدلالا بما رواه مسلم في صحيحه: (من مات وليس في رقبته بيعة مات ميتة جاهلية) .

وبما رواه مسلم أيضا: ( .. من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية) .

فجعلوا الميتة الجاهلية كفرا مخرجا من الملة ..

مع أنها لفظة غير صريحة على إرادة ذلك بل هي محتملة .. فلزم فهمها إذن على ضوء المحكم من النصوص المبينة لها، كما هو الشأن عموما مع النصوص المحتملة المتشابهة .. وسيأتي بيان هذا في باب الأدلة المحتملة الدلالة وغير القطعية على إرادة الكفر ..

فنظرنا في أدلة الشرع المبينة لهذا، فوجدنا أن الباغي الخارج على جماعة المسلمين وإمامهم؛ لا يخرج بذلك وحده من الإسلام، فقد قال تعالى: (( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ... ) )إلى قوله: (( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم ) ).

فسماهم مؤمنين مع البغي .. فهذه قرينة مبينة أن المراد بالجاهلية في الحديث ما كان دون الكفر الناقل عن الملة، من المعاصي والخصال والعوائد الذميمة، ووصفت بذلك تشنيعا من شأن هذا الذنب الذي يشق عصى المسلمين ويفرق جماعتهم، وتنفيرا عنه لأن فيه مشابهة لأهل الجاهلية الذين لم يكن يجمعهم إمام واحد أو جماعة واحدة .. بل كانوا طوائف متفرقة، وقبائل متناحرة، يبغي بعضهم على بعض ويغزوا بعضهم بعضا ..

ويؤيد ذلك أن لفظة (الجاهلية) قد وردت مرارا في استعمال الشارع في المعاصي التي هي دون الكفر والشرك ..

كما في قوله تعالى: (( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) )

فالتبرج: من أخلاق نساء الجاهلية، وليس هو بكفر ناقل عن الملة وحده ..

-ومن ذلك ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الخمر أم الخبائث، ومن شربها لم يقبل الله منه صلاة أربعين يوما، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة الجاهلية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت