فمن لم يعرف سبيل المجرمين ولم تستبين له، أوشك أن يظن بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبل المؤمنين ودعا إليها وكفّر من خالفها واستحل ما حرمه الله ورسوله كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفّر من خالفها) أهـ.
ثم بين أن الناس في هذا الموضع أربع فرق، فرقة (عمت عن السبيلين من أشباه الأنعام وهؤلاء بسبيل المجرمين أحضر ولها أسلك) وفرقة (صرفت عنايتها إلى معرفة سبيل المؤمنين دون ضدها) وفرقة (عرفت سبيل الشر والبدع والكفر مفصلة وسبيل المؤمنين مجملة) .. وقال؛ وفرقة هي الأولى: (من استبان له سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين على تفصيل علمًا وعملًا، وهؤلاء أعلم الخلق) أهـ من الفوائد مختصرًا ص (108) فصاعد.
وبعد .. فإنما قدمنا لك هذه التوطئة في هذا الفصل، كمقدمة بين يدي الغاية من عقده؛ حتى لا نكيل بمكيال أولئك الخوالف الذين خلطوا الحق بالباطل بصدهم عن التكفير مطلقًا، فليس غايتنا هنا التحذير من مطلق أحكام التكفير، وإنما كما هو عنوان الفصل .. التحذير من الغلو في التكفير.
فإنه وكما قد فرط في الحكم الشرعي أقوام، وأعرضوا عن تعلمه وميعوه وحذروا منه بإطلاق، ورهبوا الشباب من الاقتراب منه أبدًا، فكان لذلك ما عرفت من آثاره المتقدمة ..
فقد قابلهم أقوام أفرطوا وغلوا في اقتحام أبوابه، دون علم أو بصيرة .. فأعملوا سيوف التكفير وأسنته في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دون ضابط من الشرع أو وازع من ورع أو خشية ومخافة من الله ..