الصفحة 493 من 597

ومنهم من يوسع معنى الاجتناب الذي يرونه شرطا لصحة الإسلام فيدخلون فيه اجتناب العمل في حكومات الطواغيت ولو فيما لا يحرم، بل أدخل بعض الحمقى في ذلك اجتناب الوقوف على إشارات مرورهم واجتناب مراعات شواخصهم المرورية واجتناب تسعيرات مواصلاتهم ونحوها .. فما رحموا أمة محمد وما رحموا أنفسهم من هذا الزيغ والضلال ..

إذ معنى الكفر بالطاغوت ومعنى اجتنابه الشرعي الذي هو مطلوب رب العالمين لا مطلوب أهل التنطع والغلو؛ يُفهم ويُعرف على ضوء معرفة معنى حقيقة عبادته أو اتخاذه ندا وشريكا ..

ومعلوم من تعريفه أنه كل من عبد من دون الله - وهو راض - بأي نوع من أنواع العبادة التي يكفر من صرفها لغير الله تعالى، فمن صرف إليه عبادة الصلاة أو الطواف أو الذبح أو النذر أو الدعاء أو الطاعة في التشريع أو اعتقد أن له الحق في ذلك فقد عبده واتخذه ربا وطاغوتا .. فمثل هذا لا يكون مسلما حتى يكفر بعبادته أو اعتقاد ربوبيته وألوهيته ..

والكفر به هنا لا يعني تكفيره وإن كان ذلك لازما من اللوازم أوواجبا من الواجبات؛ وإنما يعني البراءة من عبادته وطاغوتيته والكفر بألوهيته وربوبيته وكونه مستحقا لأن يصرف إليه أي نوع من أنواع العبادة؛ وهو المعبر عنه باجتناب عبادة الطاغوت في قوله تعالى: (( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى ... ) )

وهذا مفسر مبين لقوله تعالى المجمل: (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) )..

ولا يصح ما يفعله بعض المتسرعين من أخذ هذه الآية وحدها والفرح بإطلاق لفظ اجتناب الطاغوت فيها بمعزل عمّا يفسرها في الآية الأخرى .. فهذه من طريقة أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه منه، ولا يردونه إلى أم الكتاب من النصوص المبينة المفسرة له ..

فقد بين علماؤنا أن النص المجمل إذا أخذ بمعزل عن مبينه صار متشابها وكذا النص العام أو المطلق إذا أخذ بمعزل عن مخصصه أو مقيده فقد صار متشابها ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت