فهرس الكتاب
وإنما يفعل ذلك الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله كما ذكر الله تعالى في مطلع سورة آل عمران ..
قال الشاطبي: (إن ذوي الاجتهاد لا يقتصرون على التمسك بالعام حتى يبحثون في مخصصه وعلى المطلق هل له مقيّد أم لا؟ ..
فالعام مع خاصه هو الدليل، فإن فقد الخاص، صار العام - مع إرادة الخصوص فيه - من قبيل المتشابه، وصار ارتفاعه - أي الخاص - زيفًا وانحرافًا عن الصواب.
ولأجل ذلك عدت المعتزلة من أهل الزيغ حيث اتبعوا نحو قوله تعالى: (( اعملوا ما شئتم ) ) [فصلت: 40] وتركوا مبينه ..
وكذلك الخوارج حيث اتبعوا قوله تعالى: (( إن الحكم إلا لله ) ) [يوسف: 40] ، وتركوا مبينه: (( يحكم به ذوا عدل منكم ) )، وقوله: (( فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ) ).
واتبع الجبرية قوله: (( والله خلقكم وما تعملون ) ) [الصافات: 96] ، وتركوا بيانه، وهو قوله: (( جزاء بما كانوا يكسبون ) ) [التوبة: 82] .
وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل، لوصلوا إلى المقصود. فإذا ثبت هذا فالبيان مقترن بالمبين، فإذا أخذ المبين من غير بيان صار متشابهًا، وليس المتشابه في نفسه، بل الزائغون أدخلوا فيه التشابه على أنفسهم فضلوا عن الصراط المستقيم"اهـ مختصرًا."
قلت: ومن ذلك ما يفعله بعض الغلاة من فهم مطلب اجتناب الطاغوت - الذي هو ركن التوحيد وشطره - وتفسيره بمطلق الاجتناب؛ فيُدخلون فيه اجتناب العمل عند الحكومات الكافرة ولو بوظيفة لا حرمة فيها؛ وهذا لو كان على وجه الاستحباب فلا غبار عليه ونحن ندرسه وندعوا إليه؛ ولكنهم يجعلون ذلك شرطا للتوحيد والإسلام من أخل به فعمل بأي وظيفة، أو أطاع الحكومة أو الطواغيت بأي شيء ولو كان من المباحات؛ كان كافرا لأنه لم يجتنب الطاغوت عندهم ولم يحقق التوحيد.