الصفحة 495 من 597

والحق الذي لا مرية فيه أن المراد باجتناب الطاغوت اجتناب عبادته بأي نوع من أنواع العبادة التي يكفر من صرفها لغير الله، وكذا اجتناب توليه ونصرته ..

وإنما قيدنا بقولنا: (التي يكفر من صرفها لغير الله) لأن بعضهم أطلق العبادة وأخذها بمعناها اللغوي لا الاصطلاحي الشرعي فأدخل في ذلك عبادة الهوى والشيطان بمعنى متابعته وطاعته والتي منها ما هو كفر ومنها ما هو معصية .. فصار العصاة عنده كفارا فنزع إلى مذهب الخوارج في هذا شاء أم أبى.

فمن أطاع الحكومات أو الطواغيت بمعصية كفر عندهم لأن مطلق الطاعة عندهم عبادة مكفرة ..

بل من الحمقى من جعل طاعتهم ولو بالمعروف عبادة مكفرة؛ وفلسف لذلك وسفسط أوصافا مكفّرة ما أنزل الله بها من سلطان، حتى لو أمروه بشيء من الواجبات الشرعية كالصلاة المفروضة ونحوها فأطاع أمرهم؛ لكان بذلك مشركا غير مجتنب للطاغوت، ولم يراعوا في ذلك تفصيلا أو تأويلا ..

ولا شك أن هذا من الضلال المبين ..

ولو قاله صبيان يسيل مخاطهم لأيس من فلاحهم ..

وإنما أوصلهم إلى مثل هذه المآزق سوء تأصيلهم، وخلطهم بين التعريفات الاصطلاحية واللغوية ..

وتقديم الأخيرة في كثير من الإطلاقات جعلهم يبتدعون دينا وتوحيدا جديدا ما أنزل الله به من سلطان ..

حتى صيّروا بأفهامهم السقيمة اجتناب عبادة الطاغوت معضلة من المعضلات خصوصا في هذا الزمان؛ لا يقدر على تحقيقه خواص الخواص من الدعاة والمجاهدين وأهل الثغور، فضلا عن العوام من الشيوخ والعجائز ..

وقصروا بذلك دين الله على أفراد معدودين على أصابع اليد الواحدة ممن هم على شاكلتهم، شاءوا أم أبوا فهذا هو مضمون مقالاتهم وحقيقتها ..

والحق الذي لا معدل عنه .. أن عبادة الطاغوت تكون كفرا بصرف نوع من أنواع العبادات له؛ والتي إن صرفت لغير الله صارت شركا مخرجا من الملة.

وأن طاعته تكون كفرا أو شركا إذا أطيع في أي نوع من أنواع المكفرات .. لا في مطلق المعاصي والمحرمات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت