فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: (ابعثوا حكمًا منكم وحكمًا منا، ويحضر معهم من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه ... ) فوكل معاوية عمرو بن العاص، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس ولكن منعه القراء، وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، ووصفوه بأنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال، وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز، فأحضروه، وكتبوا بينهم كتابًا: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قاضى عليه أمير المؤمنين ... ) فقال عمر بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس بأميرنا، فقال علي: امح أمير المؤمنين، واكتب؛ هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ... ثم كتبوا كتاب التحكيم وانفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، ثم شرع الناس في دفن قتلاهم، وأطلق علي جماعة من الأسرى من أهل الشام كانوا في يده، وكان مثلهم في يد معاوية فأطلقهم أيضًا.
قال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وذكر أهل صفين. فقال:(كانوا عربًا يعرف بعضهم بعضًا في الجاهلية، فالتقوا في الإسلام معهم الحمية، وسنة الإسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنوهم.
وقال الشعبي: هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضًا فلم يفر أحد من أحد) (4) .
ثم كانت أول شرارة انبعثت على إثرها أفكار الخوارج وعقائدهم المتنطعة، أنّ الأشعث بن قيس وكان من جملة من شهد التحكيم من جيش علي مرّ على ملأ من بني تميم من أولئك القراء، فقرأ عليهم كتاب التحكيم، فقام إليه رجل منهم هو عروة بن جرير، فقال:"أتحكّمون في دين الله الرجال؟"ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس. فأطلقها كلمة كانت مفتاح فتنة الخوارج وأول خروجهم.