فهرس الكتاب
في هذا الوقت الذي قاطعته المدينة بأسرها، كما يقول كعب في رواية البخاري عنه: « ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي » ...) (1) .
يقول كعب: (فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا أنا بنبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه في المدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا ، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، وأن الله لم يجعلك في دار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك، قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضا من البلاء، قال: فيممت به التنور فسجرته به) (2) .
إنه مجتمع عجيب حقا ، يعجز ملك غسان أن يستميل إلى جانبه رجلا منبوذا منه، تنكرت له الأرض التي عليها يعيش، وتنكر له الناس الذين عاش وشب بين ظهرانيهم.
وهو مجتمع أفراده على قلب رجل واحد منهم، ملتفون حول قائدهم، يتحركون بإشاراته، ويضحون لمجرد نظرة من الأمير.
هذا المجتمع الذي قاطع كعب بن مالك -حتى عن رد السلام والكلام، قاطعه حتى لم يعد يحظى بكلمة واحدة من أي فرد من أفراده، وذلك بمجرد كلمة سمعها المجتمع من الرسول القائد صلى الله عليه وسلم .
(1) فتح الباري لابن الحجر (9 / 214) .
(2) تفسير ابن كثير (2 / 893) .