أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم. هـ
وهذا الدستور قد أعطى لنفسه و لغيره حق التحليل و التحريم، فأي طغيان فوق هذا الطغيان؟
قال البغوي [1] :
فإن قيل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلّوا وحرّموا ما حرّموا، فاتخذوهم كالأرباب. هـ
قال الزمخشري [2] :
اتخاذهم أربابًا: أنهم أطاعوهم في الأمر بالمعاصي وتحليل ما حرَّم الله وتحريم ما حلّله، كما تطاع الأرباب في أوامرهم. ونحوه تسميه أتباع الشيطان فيما يوسوس به: عباده، بل كانوا يعبدون الجنّ (ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان) [مريم: 44] .هـ
قال السعدي [3] :
يُحِلُّون لهم ما حرم اللّه فيحلونه، ويحرمون لهم ما أحل اللّه فيحرمونه، ويشرعون لهم من الشرائع والأقوال المنافية لدين الرسل فيتبعونهم عليها. هـ
فاحذر أخي المسلم أن تتخذ هذا الدستور ربا من دون الله تعالى.
وقد أجمع العلماء على كفر من حرم الحلال المجمع عليه و حلل الحرام المجمع عليه
يقول القاضي عياض [4] :
وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا مما حرم الله - بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة الصوفية.
وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول، ووقع الإجماع المتصل عليه، كمن أنكر وجوب الخمس الصلوات ... وكذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج إن الصلاة طرفي النهار. هـ
(1) معالم التنزيل ج3 ص38
(2) الكشاف ج2 ص149
(3) تفسير السعدي ص334
(4) الشفا ج2 ص287