الصفحة 63 من 68

البراءة من أولياء الدستور ومعاداتهم من لوازم"لا إِلَهَ إِلاّ الله"ومقتضياتها

وكما يجب عليك أن تبرأ من هذا الطاغوت - الدستور وقوانينه - فعليك كذلك أن تتبرأ من كل من دافع عنه ونافح عن قوانينه وأصر على تحكيمه وتعبيد العباد له [1] ، وتبغضهم وتعادي حزبهم، حتى يتبرؤوا من طاغوتهم هذا ويكفروا به، ويرجعوا إلى حكم الله تَعَالى وحده وينقادوا لشرعه، ولا يجدوا في أنفسهم حرجًا من تحكيمه ويسلموا تسليمًا.

فإن أوثق عرى الإيمان؛ الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله.

وأسوتك في ذلك وأسوة نبيك صلى الله عليه وسلم؛ هو خليل الرحمن والذين كانوا معه وعلى دعوته وطريقته، قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4] .

يقول الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله تَعَالى في كتابه"سبيل النجاة والفكاك"عن قوله تَعَالى: (إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ) : (وها هنا نكتة بديعة وهي أن الله تَعَالى قدم البراءة من المشركين على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها؛ لا يكون آتيًا بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله:(وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، الآية) [مريم: 48] ، فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ... ) [مريم: 49] ، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك بابًا إلى عداوة أعداء الله، فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلمًا بذلك، إذ ترك دين جميع المرسلين) [2] اهـ.

وقد بين الله سبحانه وتعالى لنا آثار إهمال هذا الركن الوثيق والأمر العظيم، فقال عز وجل: (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: 73] .

(إِلاَّ تَفْعَلُوهُ) ؛ أي موالاة أهل الإيمان ومعاداة أهل الشرك المصرين على باطلهم بأن واليتموهم كلهم أو عاديتموهم كلهم أو واليتم أهل الشرك وعاديتم أهل الإيمان.

(1) (حاشية الشيخ أبي محمد) لا ينبغي لمسلم يعرف إسلامه أن يستغرب أو يستنكر مثل هذه الألفاظ التي تستعمل في الكلام على الدستور والقوانين الوضعية، خاصة إذا كان يفقه معاني العبادة وأقسامها. قال موسى لفرعون كما أخبر تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22] ، وقال تعالى عن فرعون وملئه: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [المؤمنون: 47] . قال الطبري: ( {لَنَا عَابِدُونَ} أي مطيعون متذللون يأتمرون بأمرنا ويدينون لنا، والعرب تسمي كل من دان للملك عابدًا له) .

(2) (حاشية الشيخ أبي محمد) - مقصود الشيخ هنا والله أعلم أن لا يعاديهم ولا يبغضهم كلية حتى في قلبه ويحبهم ويوادهم فهذا لاشك كما قال الشيخ قد ترك دين جميع المرسلين لأن الله عز وجل يقول: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... الآية} [المجادلة: 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت