الحمد لله الذي يمن بنوره على من يشاء، الذي جعل من الكواكب شهبًا للشياطين وزينة للسماء، والصلاة والسلام على إمام الأنبياء والصديقين والشهداء، الذي شخص الداء ووصف الدواء، فقال فيما أخرجه أحمد وأبو نعيم في حلية الأولياء: (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير؛ ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت) ، أما بعد:
فإن مرجئة العصر ما برحوا يخدرون الأمة بحقن الإرجاف والإرجاء، حتى صار سوادها الأعظم كالغثاء، كلما أوشكوا أن يصحوا من سكرتهم حقنوهم بحقنة أخرى، حتى صار الإرجاء يجري من ابن آدم مجرى الدم، فعم بلاؤه جل المعمورة وطم، وأزكمت رائحته النتنة أنوف من أشتم! وإن كان"الإيدز"يخل بالمناعة الجسدية فتقتحمها الفيروسات، فإن الإرجاء يخل بالمناعة الروحية فتقتحمها الشبهات.
إن المرجئ داؤه معدي، كالجذام أو أشد، وقد جاء في الحديث: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ..
قال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في بعض شبه أسلاف مرجئة زماننا: وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارة يقولون: إنه شرك أصغر [1] .. وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب رد الأمر عند التنازع إليهم [2] ، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة. أهـ [الدرر السنية 9/ 424 - 425]
ولأجل أقاويل القوم المضطربة، التي خدروا بها الأمة، وزادوا الليل ظلمة، والأفق الكئيب غمة، نطق فاه قلمي الفصيح الحبير؛ بـ"الكوكب الدري المنير، في إبطال حُقن التخدير [3] ، عن تكفير كل حاكم كافر شرير"، (وما مثلي إلا كمثل إنسان رأى جواهر ولآلئ ودررًا ثمينة مبعثرة هنا وهناك فجمعها ونظمها في عقدٍ واحدٍ، أو: كمثل شخص دخل حديقة غناء فيها من أحاسن الأثمار والورود والأزهار ما
(1) قلت: وهذا الذي يقولونه اليوم بنصه في أكفر الكفر وأكبره، تشابهة قلوبهم!
(2) قلت: وهذه أيضًا أزعجونا بها في هذه الأيام!
(3) قال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله عن رسالة المرجئ علي الحلبي:"وسمّاها: (التحذير من فتنة التكفير) . وكان الأولى أنْ يُعجم الحاء لتصير خاء ويُهمل الذال لتصير دالًا ..". أهـ [تبصير العقلاء بتلبيسات أهل التجهم والإرجاء ص7]