ملاحظة؛ إن شاء الله سوف نضع حاشية أسفل الصفحة للتعليق على الأشياء التي تحتاج إلى ذلك للأهمية بعد الانتهاء مما يتعلق بالشيخ محمد، أما ما يتعلق به فأغلب التعليق تابع لما ننقل عنه.
1)وقبل النقولات نحب أن نبين أن الشيخ محمد له كتاب مستقل متخصص في هذه المسألة، وهو كتاب"مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد"، وتأمل نصه في عنوان الكتاب على تكفير تارك التوحيد، الذي هو بالضرورة فاعل للشرك، ففي العنوان تكفير المعين إذا أشرك، وقد تهجم على من قال؛ أن ابن تيمية لا يكفر المعين في باب الشرك.
2)كتاب"كشف الشبهات"، في مواضع منه التصريح بعدم العذر في الشرك الأكبر بالجهل.
3)أيضا في رسالة"النواقض العشر"له رحمه الله، لم يَعذر فيها بالجهل، وذلك لما ذكر نواقض الإسلام العشر نص على استواء حكم الجاد والهازل والخائف حال الوقوع فيها إلا المكره، ولم يستثني غير المكره، مثل الجاهل أو المتأول أو المخطئ. اهـ [راجع فتاوى الأئمة النجدية: 3/ 188] .
4)ومن النقولات قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في [الدرر السنية: 8/ 118] لما ذكر المرتدين وفرقهم؛ (فمنهم من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة ظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة، ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر) .
5)وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في [الدرر: 9/ 405 - 406] قال لما نقل كلام ابن تيمية في التكفير: (وكلام ابن تيمية [5] في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الأشكال؛ أن المراد بالتوقف عن تكفيره [6] قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية، وصرح ابن تيمية رضي الله أيضا أن كلامه في غير المسائل الظاهرة، فقال في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا، قال؛ وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، ولكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة [7] من المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل إيحابه للصلوات الخمس وتعظيم شأنها، ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيرا من رؤسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين) ، ثم ذكر مسألة تكفير المعين بعد بلوغ الحجة وقال: (لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة) .
6)رسائل ونصوص للشيخ محمد بن عبد الوهاب تدل على أن الشيخ لا يعذر بالجهل ويُسمي من فعل الشرك مشركا ومن المشركين، ويُقصَد باسم الكفر عند الشيخ أحيانا بمعنى الشرك إذا لم تقم عليه الحجة، أما إذا قامت الحجة فيسميه مشركا كافرا، وقد تَعْجَب من هذا - وهو التفريق بين أسماء قبل الحجة وأسماء بعدها - لكن هذا هو الحق ومذهب أهل السنة كما نقله ابن تيمية [راجع الفتاوى: 20/ 37 - 38] في صفحتين فيها درر تكتب بماء الذهب كما يقال، وهي طريقة ابن القيم وأئمة الدعوة، وكلهم ونقلوا الإجماع عليه كما سوف ترى ذلك كثيرا إن شاء الله إذا استكملت القراءة إلى آخر كلام أئمة الدعوة.
والآن نعود إلى النصوص هي ...
النص الأول: ما ذكره المصنف في نفس كتابه"كشف الشبهات" [ص9، ط: دار الثقافة للطباعة] ، حيث قال: (فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه قد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل ... ) انتهى، فلم يمنع من التكفير كونه جاهلا.
النص الثاني: رسالة في الرد على ابن صباح، ذُكرت في"تاريخ نجد" [تحقيق ناصر الدين الأسد، ص: 468] في الرد على من اتهمه بتهم، ورد على ذلك، إلا أنه قال في أثنائها: (الحمد لله، أمَّا بعد؛ فما ذكره المشركون - لاحظ هنا سماهم مشركين - عنّي أنني أنهى عن الصلاة على النَّبِيّ صلى اللَّه عليه وسلم، أو أني أقول لو أن لي أمرًا هدمت قبة النَّبِيّ صلى اللَّه عليه وسلم، أو أني أتكلم في الصالحين، أو أنهى عن محبتهم، كل هذا كذب وبهتان افتراه عليّ الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل، مثل أولاد شمسان وأولاد إدريس الذين يأمرون الناس أن ينذروا لهم وينخونهم ويندبونهم، كذلك فقراء الشياطين الذين ينتسبون إلى الشيخ عبد القادر وهو منهم بريء كبراءة علي بن أبي طالب من الرافضة، فلما رأوني آمر الناس بما أمرهم به نبيهم صلى اللَّه عليه وسلم ألاّ يعبدوا إلا اللَّه وأن من دعى عبد القادر فهو كافر، وعبد القادر منه بريء، وكذلك من نخى الصالحين أو الأولياء أو ندبهم أو سجد لهم ... ) انتهى.
والشاهد قوله: (وأن من دعى عبد القادر فهو كافر) ، فهذا نص بأنه يُكفّر من دعى عبد القادر وأمثاله، ولاحظ أنه وصفه بأنه يعبد عبد القادر ومن فعل الشرك أعطى اسمه، فيُسمى مشركا كافرا.
ثم قال في آخر الرسالة: (فإذا كان من اعتقد في عيسى بن مريم مع أنه نبي من الأنبياء وندبه ونخاه فقد كفر، فكيف بمن يعتقد في الشياطين؛ كالكلب أبي حديدة وعثمان الذين في الوادي، والكلب الآخر في الخرج، وغيرهم في سائر البلدان ... ) انتهى.
والشاهد قوله: (من اعتقد في عيسى بن مريم فقد كفر) .
ثم قال في آخر الرسالة في الاعتقاد في الصالحين: (بل هو عبادة الأصنام من فعله كفر ... ) انتهى، علق الحكم بالفعل والفعل الذي فعله هو عبادة الأصنام، ويستحيل شرعا أن يُسمى عابد الأصنام أو القبور مسلما ولو كان جاهلا.
النص الثالث: موجود في"تاريخ نجد" [ص: 474] في أوراق كتبها في الرد على ابن سحيم قال فيها: (فإذا كفّرنا من قال؛ إن عبد القادر والأولياء ينفعون ويضرون، قال؛ كفّرتم الإسلام، وإذا كفّرنا من يدعو شمسانًا وتاجًا وحطّابًا، قال؛ كفّرتم الإسلام ... ) انتهى.
والشاهد منه؛ أن الشيخ يكفّر من عَبَد عبد القادر، ويكفّر من دعى شمسان - وهو أحد الصوفية الموجودين في الخرج زمن من المصنف -
النص الرابع: وهي رسالة أرسلها إلى محمد بن عيد - أحد علماء ثرمدا - موجودة في"تاريخ نجد" [ص: 263] ، قال بعد كلام: (ولكن أقطع أن كفر من عبَد قبة أبي طالب لا يبلغ عُشر كفر المويس وأمثاله ... ) انتهى.
والشاهد؛ أنه قطع بكفر من عبد القبور ولم يعذره بالجهل.
النص الخامس: رسالة أرسلها إلى الشيخ عبد اللَّه بن عيسى قاضي الدرعية، وهي موجودة في"تاريخ نجد"، [الرسالة الرابعة عشر، ص: 324] ، أرسلها منكرًا عليه كيف أشكل عليه تكفير الطواغيت، فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (فقد ذكر لي أحمد أنه مشكل عليكم الفُتيا بكفر هؤلاء الطواغيت، مثل أولاد شمسان وأولاد إدريس، والذين يعبدونهم مثل طالب وأمثاله ... ) انتهى.
ويتضح من هذا النص تكفيره لمن عبد الطواغيت، بل إنكاره على من لم يكفر الطواغيت، أو من عبد الطواغيت، ولاحظ أنه سماهم طواغيت وسمى طالبا وأمثاله مَنْ يعبد الطواغيت ولايمكن أن يكون من عبد الطواغيت مسلما ولو كان جاهلا فضلا عن كونه موحدا لأن اسم الشرك يتناوله ويصدق عليه.
النص السادس: رسالة أرسلها إلى عبد الرحمن بن ربيعة - أحد علماء ثادق - وهي الرسالة العشرون في"تاريخ نجد" [ص: 341] ، قال بعد كلام: (فمن عبد اللَّه ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره، فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا اللَّه، لأن الإله هو المدعو، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره ... ) انتهى.
والشاهد؛ أنه سمّاهم مشركين لمن عبد أصحاب القبور المذكورة، وسماهم أيضا أنهم ممن اتخذ الهين اثنين.
النص السابع: رسالة أرسلها إلى سليمان بن سحيم قاضي الرياض، وهي الرسالة التاسعة في"تاريخ نجد" [ص: 304] ، قال بعد كلام: (وإنّا كفّرنا هؤلاء الطواغيت أهل الخرج وغيرهم للأمور التي يفعلونها هم، منها أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط، ومنها أنهم يدعون الناس إلى الكفر، ومنها أنهم يُبغّضون عند الناس دين محمد صلى اللَّه عليه وسلم ... ) انتهى.
والشاهد؛ أنه كفّر من جعل بينه وبين اللَّه وسائط.
وقال في نفس الرسالة [ص: 305] موردًا إشكالًا على ابن سحيم، قال: (وما تقول في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره ... ) انتهى، ولاحظ أنه كفر أهل الخرج بفعل الوسائط، فجعل مناط الحكم الفعل وأجرى اسم الفعل عليهم، وهو الشرك.
النص الثامن: رسالة جوابية ردًا على اتهامات ضده، موجودة في"تاريخ نجد" [ص: 274] ، وهي مجموعة من التهم والأقاويل ضد الشيخ، أقر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ببعضها أنه يقول بها، ومنها: (تكفير الناذر إذا أراد به التقرب لغير اللَّه وأخذ النذور كذلك، ومنها أن الذبح للجن كفر والذبيحة حرام، ولو سمى اللَّه عليها إذا ذبحها للجن، فهذه خمس مسائل كلها حق وأنا قائلها ... ) ، إلى أن قال: (فصار ناس من الضالين يدعون أناسًا من الصالحين في الشدة والرخاء، مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وعدي بن مسافر، وأمثالهم من أهل العبادة والصلاح ... ) ، ثم ذكر أن أهل العلم أنكروا عبادة الصالحين، إلى أن قال: (وبيّن أهل العلم إن أمثال هذا هو الشرك الأكبر ... ) انتهى.
والشاهد؛ أنه سمى من عبد هذه القبور الثلاثة ضالين، وأنه الشرك الأكبر، إلى أن قال: (فتأمل هذا إذا كان كلامه هذا في علي، فكيف بمن ادعى أن ابن عربي وعبد القادر إله؟! ... ) انتهى.
النص التاسع: رسالة أرسلها إلى أحد علماء الأحساء، واسمه أحمد بن عبد الكريم، وهي الرسالة الحادية والعشرون في"تاريخ نجد"، [ص: 346] ، وكان أحمد بن عبد الكريم الأحسائي لما التبس عليه فعل عباد القبور مع جهلهم، وكان الاحسائي هذا ينكر تكفير المعين لمن عبد القبور لجهله ويُجيز تكفير النوع لا العين، أي فعله كفر وشرك وليس هو بمشرك ولا كافر لأنه جاهل، وناقشه الشيخ في رسالة طويلة، قال فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (وتأمل تكفير - ابن تيمية - لرؤسائهم فلانًا وفلانًا بأعيانهم، وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المعين لا يكفر، ولو دعى عبد القادر في الرخاء والشدة، ولو أحب عبد اللَّه بن عون وزعم أن دينه حسن مع عبادته أبي حديدة ... ) .
وقال في الرسالة أيضا بعد ذكر من كفره السلف قال: (واذكر كلامه في"الإقناع"وشرحه في الردة، كيف ذكروا أنواعا كثيرة موجودة عندكم، ثم قال منصور البهوتي؛"وقد عمت البلوى في هذه الفرق وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية"، هذا لفظه بحروفه، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله، هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور البهوتي إن هؤلاء يكفر أنواعهم [8] لا أعيانهم؟) [الدرر السنية: 10/ 63 - 74] ، فانظر إلى تكفير الشيخ محمد من عَبَد عبد القادر أعلاه، والطوائف التي ذكرها البهوتي في باب المرتد هي؛ أهل الحلول والاتحاد، والرافضة والباطنية والقرامطة.
النص العاشر: وهي رسالة في تفسير كلمة التوحيد في مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب [مجلد العقيدة، القسم الأول: ص363] ، قال الشيخ: (وأنت ترى المشركين من أهل زماننا ولعل بعضهم يدّعي أنه من أهل العلم وفيه زهد واجتهاد وعبادة، إذا مسّه الضر قام يستغيث بغير اللَّه مثل معروف أو عبد القادر الجيلاني، وأجلِّ من هؤلاء مثل زيد بن الخطاب والزبير، وأجلِّ من هؤلاء مثل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فاللَّه المستعان، وأعظم من ذلك أنهم يستغيثون بالطواغيت والكفرة والمردة مثل شمسان وإدريس، ويقال له الأشقر ويوسف وأمثالهم) انتهى.
والشاهد؛ تسميته لمن عبد هؤلاء بالمشركين، حيث قال في أول الرسالة: (وأنت ترى المشركين ... إلخ) ، حيث وصفهم أنهم يستغيثون بغير الله، فهل يمكن أن يكونوا مسلمين ويُعطون اسم الإسلام والإيمان وهم يعبدون غير الله؟ هذا مستحيل شرعا، فان الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان.
النص الحادي عشر: وهذا النص يعتبر هو مسك الختام الذي يوضح المسألة توضيحًا جيدًا، يتضح فيها أن الشيخ لا يعذر بالجهل في الشرك الأكبر، وسوف يذكر ذلك في الرسالة، ويُسمى من وقع في الشرك الأكبر جهلًا مشركا إلا في المسائل الخفية، وعبادة القبور هي من المسائل الظاهرة لا الخفية، أما التكفير؛ فإذا قامت عليه الحجة، وهو من لم تبلغه الدعوة فيكفر، وهم الثلاثة، أما غير الثلاثة فقد قامت عليهم الحجة فيلحقهم اسم الشرك والكفر، وهذه الرسالة كتبها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لبعض تلامذته في الدرعية لمّا كان الشيخ في العيينة في أول دعوته، وتلامذته هم؛ عيسى بن قاسم، وأحمد بن سويلم، وهي موجودة في"تاريخ نجد" [ص: 410] .
وتعجب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كيف يَشُكُّون في تكفير الطواغيت وأتباعهم، وهل قامت عليهم الحجة أم لا؟ وأنكر الشيخ محمد عليهم لما توقفوا في تكفير [9] الطواغيت وأتباعهم لأنهم جهال لم تقم عليهم الحجة، فقال: (ما ذكرت لكم من قول الشيخ - ابن تيميه - كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة، فهذا من العجب، كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا، فإن الذي لم تقم عليه [10] الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصرف والعطف، فلا يكفر حتى يعرّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هي القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة.، ولكن أصل الإشكال؛ أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة اللَّه مع قيامها عليهم، كما قال تعالى: {أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} ، وقيام الحجة وبلوغها نوع، وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها نوع آخر ... ) .
ثم ذكر أناسًا قامت عليهم الحجة لكن لم يفهموها، فذكر الخوارج، وذكر الغالية الذين حرّقهم علي، وذكر غلاة القدرية، ثم قال: (وإذا علمتم ذلك فهذا الذي أنتم فيه، وهو الشك في أناس يعبدون الطواغيت ويعادون دين الإسلام ويزعمون أنه ردة لأجل أنهم ما فهموا ... ) انتهى.
وخلاصة هذه الرسالة:
أن الشيخ أنكر على بعض طلابه التوقف في تكفير - لاحظ لفظ التكفير - الجهال بحجة أنهم ما فهموا ولأنهم جهال، وأن هذا غلط، وأفاد طلابه ألاّ يتوقفوا في تكفير الجهال إلا ثلاثة؛
من كان حديث عهد بإسلام.
ومن نشأ وعاش في بادية، وفي بعض رسائله أضاف شخصًا آخر؛ وهو من نشأ وعاش في بلاد الكفر.
وفي المسائل الخفية.
وبيّن لهم أن عبادة القبور ليست من المسائل الخفية، ويجب أن يُفهم أن الشيخ محمد قال بعدم تكفير الثلاثة، فنفى عنهم لحوق اسم الكفر، لأن هؤلاء الثلاثة لم يسمعوا الحجة ولم تبلغهم، أما اسم الشرك واسم المشركين فيلحق هؤلاء الثلاثة، ويُسمون مشركين، وعابدي غير الله، واتخذوا مع الله آلهة، ويُنفى عنهم اسم الإسلام، كل ذلك يلحقهم لانهم يفعلون الشرك فاسمه يتناولهم ويصدق عليهم.
أما اسم الكفر وأحكام الكفار من القتل والتعذيب، فلا يلحقهم لأنه لم تقم عليهم الحجة، لأن الكفر معناه جحد أو تكذيب للرسول، فيكون أتاه خبر الرسول ثم جحده أو كذبه أو عانده أو تولى عنه أو أعرض، ومعنى أتاه خبر الرسول؛ أي قامت عليه الحجة، أما اسم الشرك؛ فهو عبادة غير الله، وليس له ارتباط بالحجة.
كما قال ابن تيمية في"الفتاوى" [20/ 38 - 37] ، وهو مبحث مهم جدا، قال: (اسم المشرك يثبت قبل الرسالة - أي قبل الحجة - لأنه يشرك بربه ويعدل به) .
ويجب أن تفهم أن الشيخ إذا قال؛ لا أكفر كذا وكذا، أنه ينفي اسم الكفر فقط - وانتبه لهذا التفقيط - لكن لا يلزم لمن نفى عنه التكفير أنه مسلم أو يُعطى حكم الإسلام أو المسلمين فلا، لأن الشيخ يفرق بين ذلك.
وبعد استعرضنا لنصوص الشيخ محمد بن عبد الوهاب، اتضح أن الشيخ يكفر بالجهل بعد ظهور دعوته، إلا أشخاصًا معينين لا يكفرهم، لكن لا يسميهم مسلمين أو موحدين بل مشركين، كأهل البادية وحدثاء العهد ومن عاش ونشا في بلاد الكفر، وأنه لا يعذر ما عدا ذلك في اسم الكفر، أما اسم الشرك لمن يفعله فلا يعذر أحدا لا الثلاثة ولا غيرهم.
ويتضح أيضًا؛ أن النصوص التي يفهم منها عدم التكفير أنها تحمل على أنه لم تبلغه الحجة.
ولكي يتضح الأمر أكثر فأكثر، ننقل كلام الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن - وهو من أحفاد الشيخ - حيث تعرّض الشيخ إسحاق لهذه القضية في كتابه"تكفير المعين" [ص: 16] ، ولا غريب فإن أولى الناس أن يفهموا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب هم طلابه وأحفاده، وهم يدركون علم الشيخ أكثر من غيرهم.
فقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بعد كلام: (فنذكر من ذلك شيئًا يسيرًا لأن المسألة وِفَاقِيَّةٌ، والمقام مقام اختصار، فلنذكر من كلامه ما ينبهك على الشبهة التي استدل بها من ذكرنا في الذي يعبد قبة الكواز وأن الشيخ توقف في تكفيره - لاحظ التوقف في اسم التكفير، أما كونه مشركا فلم يتوقف الشيخ فيه، لأنه سماه يعبد قبة كذا وكذا، ولايمكن أن يعبد غير الله ويُسمى مسلما أبدا، لأن الإسلام والشرك ضدان لا يجتمعان - ونذكر أولًا مساق الجواب، وما الذي سيق لأجله، وهو أن الشيخ محمدًا رحمه اللَّه ومن حكى عنه هذه القصة يذكرون ذلك معذرة له عمّا يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين - والشيخ لا يكفر المسلمين، لأن كلمة"مسلمون"كلمة عامة وفيهم من لم تقم عليه الحجة في استحقاق اسم الكفر - وإلا فهي نفسها دعوى لا تصلح أن تكون حجة، بل تحتاج لدليل وشاهد من القرآن والسنة ... إلخ) .
ثم قال في [ص: 19] : (وتوقفه رحمه اللَّه - أي توقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب - في بعض الأجوبة يُحمل على أنه لأمر من الأمور، وأيضًا فإنه كما ترى توقف مرة كما في قوله؛"وأمَّا من أخلد إلى الأرض فلا أدري ما حاله"، فياللَّه العجب! كيف يترك قول الشيخ في جميع المواضع مع دليل الكتاب والسنة وأقوال ابن تيمية وابن القيم، كما في قوله؛"من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة"، ويقبل في موضع واحد مع الإجمال؟! ... ) انتهى.
ومن كلام الشيخ إسحاق يمكن أن نستخلص أمورا:
الأمر الأول: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذا نفى أنه يكفر عبّاد القبور فإنه يقصد بذلك نفي العموم، لان فيهم من لم تقم عليه الحجة - مثل الثلاثة - فلا يسميهم كفارا، لكن اسم الشرك والمشركين يلحقهم لانهم يفعلونه ويصدق عليهم، فمن عبد القبور عموما يطلق عليه بالعموم مشرك ولا يُستثنى أحد، أما اسم الكفر ففيه تفصيل بالنسبة لعباد القبور حسب قيام الحجة، فالشيخ دقيق في هذه الأسماء ويفرق بينهما باعتبار الحجة، كما سوف يأتي أن شاء الله مزيد إيضاح في كلام طلابه صريحا خصوصا كلام الملازمين له، بمعنى؛ أنه ليس كل فرد عبد القبور يكفر، لكن كل فرد عبد القبور يُسمى مشركا، بل هناك ثلاثة أفراد يعبدون القبور ولا يكفرون لعدم قيام الحجة، لكن ليسوا مسلمين، وهو حديث عهد، ومن عاش ونشأ في البادية، ومن عاش ونشأ في بلاد كفر، وإذا كفّر كل فرد يعبد القبور فسوف يُدخل هؤلاء الثلاثة، وفي هذا الإطار يجب أن يفهم كلامه.
الأمر الثاني: أن توقف الشيخ في اسم الكفر لا الشرك في بعض المواضع لأمر ما، لكن ليس هو الأصل.
[5] هنا يدل أن الشيخ محمد قد فهم وهضم مذهب ابن تيمية في هذا وهو يمشى على منواله.
[6] لاحظ أن النفي لاسم التكفير، لا لاسم الشرك.
[7] هذا هو ضابط الأمور الظاهرة، أحيانا تُسمى المعلوم من الدين بالضرورة.
[8] أي أن الشيخ محمد لا يفرق بين النوع والعين في مسائل الشرك الأكبر والأمور الظاهرة، وهنا نقل إجماع المسلمين عليه من لدن الصحابة إلى عصر البهوتي - مؤلف كتاب الروض المربع -
[9] ويجب أن يلاحظ على كلام الشيخ محمد انه أنكر على طلابه عدم إجراء اسم الكفر على الطواغيت، أما اسم الطواغيت واسم المشركين فهو وهم يُجرونه عليهم، ولذا دائما انتبه للشيخ عند النفي، فهو دقيق، فهو ينفي اسم الكفر لا اسم الشرك أو اسم مشركين، وسوف نكرر هذا الكلام كثيرا حتى يُهضم جيدا، وهنا الكلام منصب على نفي التكفير فقط، أما اسم الإسلام فهو منتف عنهم ولا كرامة.
[10] أي لم تقم الحجة في لحوق اسم الكفر المعذب عليه أو الذي يُقتل به، أما هؤلاء الثلاثة ومعهم من نشأ في بلاد الكفر؛ فهؤلاء إذا فعلوا الشرك لحقهم اسمه، لكن لم تقم عليهم الحجة في القتل والقتال والتعذيب، واسم الكفر.