عن أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر قالوا في"الدرر" [10/ 136 - 138] لما سئلوا؛ أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا جهلا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية فهل لو قتل من هذا حالة قبل ظهورهذه الدعوة موضوع أولا؟
فأجابوا قائلين؛ (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله أو عدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم [11] ، بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص [12] لعدم قيام الحجة عليه، ولا يقال؛ إن لم يكن كافرا فهو مسلم، بل نقول؛ عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم؛ أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار ولا حكم الأبرار) [الدرر:10/ 137] .
قال الشيخ حسين وعبد الله أبناء محمد بن عبد الوهاب في"الدرر السنية" [10/ 142] في من مات قبل هذه الدعوة ولم يدرك الإسلام وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم ولم تقم عليه الحجة ما الحكم فيه؟
فأجابا: (أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك فهذا ظاهرة أنه مات على الكفر [13] ، ولا يدعى له ولا يضحى له ولا يتصدق عليه، أما حقيقة أمره [14] فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى) .
هنا أجازوا كونه في الظاهر على الكفر.
وقال الشيخ عبد العزيز قاضي الدرعية في"الرسائل والمسائل النجدية" [5/ 576] قال في جواب له لما سئل عن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا جهلا منه بذلك فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة؟
فقال: (إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله ولعدم من ينبهه لا نحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة ولكن لا نحكم بأنه مسلم [15] ، بل نقول عمله هذا كفر يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، ولا يقال إن لم يكن كافرا فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه، وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار ولا حكم الأبرار) .
أما الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فله كتاب مستقل في ذلك، وهو كتاب"الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة"، وهي في"الدرر" [10/ 149] ، في ذكر كلام العلماء المجتهدين أصحاب المذاهب الأربعة فيما يكفر به المسلم ويرتد، وأنهم أول ما يبدون في باب حكم المرتد بالكلام في الشرك الأكبر وتكفيرهم لأهله وعدم عذرهم بالجهل.
فذكر كلام الشافعية؛ وذكر منهم ابن حجر الهيتمي في كتابه"الزواجر عن اقتراف الكبائر"، في الكبيرة الأولى، ونص على عدم العذر بالجهل في قوله بيان الشرك، وذكر جملة من أنواعه لكثرة وقوعها في الناس وعلى السنة العامة من غير أن يعلموا - أي جهال - أنها كذلك، ونقل كلام النووي في"شرح مسلم"في الذبح لغير الله تعظيما أنه شرك وصار بالذبح مرتدا [وهذا تعيين لأن المنع من الذبيحة لمعين بها] ، ونقل كلام أبي شامة في"الباعث"، ونقل كلام صاحب كتاب"تبين المحارم في باب الكفر"، وذكر أنواع من الشرك الأكبر، منها من سجد لغير الله أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه؛ أنه كفر بالإجماع ويقتل إن أصر على ذلك، ونقل كلام الشيخ قاسم في"شرح الدرر"، فيمن دعاء غير الله أو نذر له وأنه كفر، ومن كلام المالكية نقل كلام أبي بكر الطرطوشي، وصرح أن الذي يفعل في زمانه من العمد إلى الشجر ونحوه أنه مثل فعل المشركين، ثم ذكر كلام الحنابلة، فذكر كلام ابن عقيل في تكفيره من عظم القبور وخاطب الموتى بالحوائج؛ أنهم كفار بذلك، ونقل كلام ابن تيمية وابن القيم ووالده وأطال في ذلك في تكفير من أشرك بالله وعدم عذره بالجهل. اهـ ملخصا.
11)وقال أيضا في"الرسائل والمسائل" [القسم الأول من الجزء الأول، ص: 79] ، قال: (أما من مات وهو يفعل الشرك جهلا لا عناد فهذا نكل أمره [16] إلى الله تعالى، ولا ينبغي الدعاء له والترحم عليه والاستغفار له، وذلك لأن كثيرا من العلماء يقولون من بلغه القرآن فقد قامة عليه الحجة، كما قال تعالى: {لأنذركم به ومن بلغ} ) .
وقد قال قبل ذلك: (ولكن في أزمنة الفترات [17] وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة ويبين له ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، فإذا بلغته الحجة وتليت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ثم أصر على شركه [18] فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك، فالجاهل فعله كفر ولكن لا يحكم بكفره [19] إلا بعد بلوغ الحجة، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويصلى ويزكي ويؤمن بالأصول الستة ... ) [وراجع الدرر: 10/ 274] .
وقال أيضا الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في"الرسائل والمسائل" [القسم الأول من الجزء الأول، ص: 201] ، قال لما سئل عن من حلف بغير الله جهلا منه، أنه شرك لا عنادا ولا معتقدا، أن عظمته تساوي عظمة الله؟ فقال: (الظاهر أن الذي يجهل مثل ذلك يعذر بالجهل [20] لأن الشرائع لا تلزم إلا بعد بلوغ الرسالة ... ) ، إلى أن قال: (وكذلك إذا فعل شيئا من الشرك، غير الحلف جهلا منه وخطأ، فإذا نبه على ذلك تنبه وتاب ونزع، كما جرى لقوم موسى عليه السلام وكما جرى للصحابة الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛"أجعل لنا ذات أنواط"، وأما من يفعل ذلك جهلا لا عنادا وماتوا عليه قبل أن يبلغهم أنه شرك، هل يحكم بإسلامهم ويرجى لهم العفو من الله والمغفرة وينفعهم استغفار الأحياء لهم؟ فهذه المسألة أحسن الأجوبة فيها أن يقال؛ الله أعلم بهم [21] ، كما قال موسى عليه السلام لما قيل له؛ {فما بال القرون الأولى قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى} ) .
ونقل عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في"الدرر" [10/ 274] ؛ إن سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات وتفريج الكربات من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله واتفقت الكتب الإلهية والدعوات النبوية على تحريمه وتكفير فاعله والبراءة منه ومعاداته، لكن زمن الفترات لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة الرسالية ويبين له ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر، فان أصر على شركه فهو كافر ... باختصار.
قال الشيخ حمد بن ناصر في"الدرر" [10/ 336] : (وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهذا ظاهره الكفر [22] ، وإن كان يحتمل انه لم تقم على الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله، والله تعالى لا يعذب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} ، وأما من مات منهم مجهول الحال [23] فهذا لا نتعرض له ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه [24] ، وليس ذلك مما كلفنا به، {تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} ) .
وقال أيضا في"الدرر" [11/ 75 - 77] ، قال: (إذا تقرر هذا فنقول؛ إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية وظاهر حالهم الشرك [25] لا نتعرض لهم ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم [26] ) [فتاوى الأئمة النجدية: 3/ 99] .
واعتبر الشيخ حمد بن ناصر أن الرافضة كفار أصليين ولا يُعذرون بالجهل [الدرر: 10/ 335] .
[11] لاحظ هنا لم يحكم بإسلامه ولا يُسميه مسلما.
[12] أي باسم الكفر، واحكام الكفر من القتل أو القتال أو التعذيب، أما إثبات اسم الشرك له وما يتبعه من عدم الاستغفار له فلم يُنف.
[13] لاحظ؛ سمياه قبل مشركا لانه يفعل الشرك ويدين به، وقوله مات على كفر أي كفر شرك، ولذا قالا بعده: (لا يضحى له) ، وهذه أحكام المشركين، {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى} .
[14] لاحظ؛ لم يسمياه مسلما.
[15] لاحظ؛ لم يسميه مسلما، فضلا عن موحدا فضلا عن مؤمنا 0ولا يلزم من نفي الكفر إثبات انه مسلم، وهذا في كلامهم جميعا.
[16] ولم يسمه مسلما، ولذا قال بعدها: (لا ينبغي الدعاء له) ، ولو كان مسلما لما قال ذلك، بل أعطاه حكم المشركين، من عدم الدعاء له.
[17] هنا قال الفترات بالجمع، وهذا مذهب أئمة الدعوة؛ يرون أن زمن الفترات قد يتكرر بعد البعثة، وكل زمن غلب فيه الجهل وعظم ولم توجد دعوة قائمة؛ فهو زمن فترة وفي حكمها.
[18] لاحظ؛ سماه مصرا على الشرك، وهو قبل الإصرار أصلا فاعل للشرك، فسماه مشركا ونفى عنه اسم التكفير.
[19] لاحظ؛ نفى التكفير، ولا يلزم من نفي التكفير إثبات اسم الإسلام.
[20] هذا في الشرك الأصغر، لأن الحلف الذي ذكر هنا شرك أصغر.
[21] لاحظ؛ لم يسميهم مسلمين، وهذا هو الشاهد.
[22] لأنه يعبد الأوثان، والكفر المسمى هنا كفر شرك.
[23] لاحظ؛ لم يسميه مسلما مع انه مجهول الحال، ولم يسميه مسلما ولا مؤمنا، ونفى عنه الكفر ولم يثبت له الإسلام، لأنه يعبد الأوثان.
[24] لاحظ؛ لم يسميه مسلما، فضلا عن مؤمنا، فضلا عن موحدا.
[25] إذا هم مشركون، ومن ظاهر حاله الشرك فليس بمسلم.
[26] وهنا نفى الكفر والإسلام، وبقي يتناوله اسم الشرك، لأنهم يفعلونه وماتوا عليه.