وقال سبحانه وتعالى عنهم: {قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بروقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا} .
وهكذا غيرهم من الصالحين حال استضعافهم، فلو تتبعت أخبار التابعين من سلف هذه الأمة لو جدت من ذلك أمثلة كثيرة.
وأكتفي بالتمثيل بثلاثة قال فيهم ابن الجوزي في مقدمة كتابه"مناقب الإمام أحمد بن حنبل": (غير أني تبحثت عن نائلي مرتبة الكمال في الأمرين أعني - العلم والعمل - من التابعين ومن بعدهم فلم أجد من تم له الأمران على الغاية التي لا يخدش وجه كمالها نوع نقص، سوى ثلاثة أشخاص: الحسن البصري، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل) أهـ [ص5] .
أما الحسن البصري؛ فقد خرج - وقيل أُخرج - مع من خرجوا على الحجاج زمن فتنة عبد الرحمن بن الأشعث (1) ، حيث خرج ابن الأشعث وخرج معه طائفة من القراء والفقهاء ثورة على جور وعسف الحجاج، وبعد هزيمة ابن الأشعث بقي الحسن البصري متواريًا من الحجاج لدرجة أن ابنة له ماتت فلم يقدر على الخروج عليها، فأناب ابن سرين بذلك (2) .
أما سفيان الثوري؛ فخرج هاربًا إلى البصرة لما عرض عليه الخليفة المهدي منصبًا، وهو الذي يقول: (ليس أخاف إهانتهم، إنما أخاف كرامتهم، فلا أرى سيئتهم سيئة، لم أرى للسلطان مثلًا إلا مثلًا ضرب على لسان الثعلب، قال، عرفت للكلب نيفًا وسبعين دستانًا(3) ليس منها دستان خيرا من أن لا أرى الكلب ولا يراني) (4) .
أما الإمام احمد؛ فقد اختفى أيام الواثق وذلك بعد أن صدع بعقيدته في القرآن وابتلي في ذلك بلاء عظيمًا، فاختفى بقية حياة الواثق فما زال يتنقل في الأماكن ثم عاد إلى منزله بعد أشهر فاختفى فيه إلى ان مات الواثق.