الصفحة 17 من 148

وكذلك أيضا لمّا إنهزم المسلمون يوم أحد وشج وجه النبى صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ارتد طائفة نافقوا، قال تعالى (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) وقال تعالى (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم الإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) فقوله وليعلم الذين نافقوا ظاهر فيمن أحدث نفاقا وهو يتناول من لم ينافق قبل ومن نافق ثم جدد نفاقا ثانيا، وقوله هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم بل إما أن يتساويا وإما أن يكونوا الى الإيمان أقرب ..

الى أن قال: وفى الجملة ففى الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان هو الضوء الذى ضرب الله به المثل فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الاسلام الذى يثابون عليه ولم يكونوا من المؤمنين حقا الذين امتحنوا فثبتوا على الايمان، ولا من المنافقين حقا الذين ارتدوا عن الايمان بالمحنة، وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التى يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرا وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبا وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطنا وظاهرا لكن إيمانا لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الفرائض وانتهاك المحارم وهؤلاء من الذين قالوا آمنا، فقيل لهم قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أى الإيمان المطلق الذى أهله هم المؤمنون حقا فإن هذا هو الإيمان إذا أطلق في كتاب الله تعالى كما دل عليه الكتاب والسنة، ولهذا قال تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) فلم يحصل لهم ريب عند المحن التى تقلقل الإيمان في القلوب، والريب يكون في علم القلب وفى عمل القلب بخلاف الشك فإنه لا يكون الا في العلم، ولهذا لا يوصف باليقين الا من اطمأن قلبه علما وعملا والا فإذا كان عالما بالحق ولكن المصيبة أو الخوف أورثه جزعا عظيما لم يكن صاحب يقين قال تعالى (هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا) وكثيرا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق ثم يتوب الله عليه وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق ويدفعه الله عنه اهـ.

8 ـ باب ظاهر المنافق ماهو؟

وهو الاظهار الأكبر العام، وهو ما ليس بباطن محض ولا إظهار أصغر وقد سبق.

وعن حذيفة قال (المنافقون الذين فيكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقلنا يا أبا عبد الله وكيف ذاك؟ قال إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء يعلنون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت