وقليل ما هم وليس على الأديان أضر من هذا الضرب من الناس وإنما تفسد الأديان من قبلهم ولهذا جلا الله أمرهم في القرآن وأوضح أوصافهم وبين أحوالهم وكرر ذكرهم لشدة المؤنة على الأمة بهم وعظم البلية عليهم بوجودهم بين أظهرهم وفرط حاجتهم إلى معرفتهم والتحرز من مشابهتهم والإصغاء إليهم فكم قطعوا على السالكين إلى الله طرق الهدى وسلكوا بهم سبيل الردى وعدوهم ومنوهم ولكن وعدوهم الغرور ومنوهم الويل والثبور فكم من قتيل ولكن في سبيل الشيطان وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان وأسير لا يرجى له الخلاص وفار من الله لا إليه وهيهات ولات حين مناص صحبتهم توجب العار والشنار ومودتهم تحل غضب الجبار وتوجب دخول النار من علقت به كلاليب كلبهم ومخاليب رأيهم مزقت منه ثياب الدين والإيمان وقطعت له مقطعات من البلاء والخذلان فهو يسحب من الحرمان والشقاوة أذيالا ويمشي على عقبيه القهقرى إدبارا منه وهو يحسب ذلك إقبالا فهم والله قطاع السلام فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء حذار منهم حذار إذ هم الجزارون ألسنتهم شفار البلايا ففرارا منهم أيها الغنم فرارا ومن البلية إنهم الأعداء حقا وليس لنا بد من مصاحبتهم وخلطتهم أعظم الداء وليس بد في مخالطتهم قد جعلوا على أبواب جهنم دعاة إليها فبعدا للمستجيبين ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به من الشهوات فويل للمغترين نصبوا الشباك ومدوا الأشراك وأذن مؤذنهم يا شياه الأنعام حي على الهلاك حي عن التباب فاستبقوا يهرعون إليهم فأوردوهم حياض العذاب لا الموارد العذاب وساموهم من الخسف والبلاء أعظم خطة وقالوا ادخلوا باب الهوان صاغرين ولا تقولوا حطة فليس بيوم حطة فواعجبا لمن نجا من شراكهم لا من علق وأنى ينجو من غلبت عليه شقاوته ولها خلق فحقيق بأهل هذه الطبقة أن يحلوا بالمحل الذي أحلهم الله من دار الهوان وأن ينزلوا في أردأ منازل أهل العناد والكفران.
وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقوها على أنفسهم أن يكونوا منهم فكان عمر بن الخطاب يقول يا حذيفة ناشدتك الله سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع القوم فيقول لا، ولا أزكي بعد أحدا يعني لا هذا الباب في تزكية الناس وليس معناه أنه لم يبرأ من النفاق غيرك وقال ابن أبي مليكة أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول إنه على إيمان جبرائيل وميكائيل اهـ.
قال في المدارج 1/ 347 فصل:
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات وفي الكفار آيتين وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد.