ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمهمته خير قيام فما ترك شيئًا من أمور الدين إلا وبيّنه للأمة حتى تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك [1] ، وقد شهدت له أمته بالبلاغ المبين في أعظم مشهد وهو يوم عرفة عام حجة الوداع كما روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث جابر قال صلى الله عليه وسلم:"... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ..." [2] .
والمتأمل لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أنه ما يترك موطنًا يحتاج الناس فيه إلى العلم إلا ويرشدهم إلى ذلك ومن الأمثلة على هذا ما رواه البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر لأعطين هذه الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله قال فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجوا أن يعطاها، فقال أين علي بن أبي طالب فقيل هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه وعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال علي يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا فقال عليه الصلاة والسلام أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم [3] . فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر عليًا أن يعلم اليهود بما يجب عليهم من حق الله في الإسلام، ولا شك أن من أعظم ذلك وجوب إفراد الله بالعبادة وإفراده بكمالاته وتنزيهه عن النقص.
وما رواه الإمام أحمد في مسنده عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ إني لأحبك فقلت يا رسول الله وأنا والله أحبك قال: فإني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك [4] . ولا شك أن حسن العبادة يستلزم الإخلاص فيها والعلم بكيفيتها التي شرعت عليها ثم إيقاعها على
(1) انظر صحيح ابن ماجه
(2) مسلم مع النووي 8/ 184.
(3) صحيح البخاري مع الفتح 7/ 366.
(4) مسند أحمد 5/ 247.