الصفحة 32 من 82

على أنه ركن الإيمان وأن من أنكر أحد أركان الإيمان فقد كفر وأن الكافر قد انقطعت الولاية بينه وبين المؤمنين فهو بريء منهم وهم منه براء وأن أعماله لا يستفيد منها مهما عظمت إذا كفر والعياذ بالله.

المثال الرابع:

ما التبس على بعض الناس من حل الخمر للمتقين وتصحيح الصحابة لهذا الفهم الخاطئ، فقد روى ابن حزم بسنده"أن ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شربوا الخمر بالشام وأن يزيد بن أبي سفيان كتب فيهم إلى عمر فذكر الحديث وفيه أنهم احتجوا على عمر بقول الله تعالى (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا) [1] ، فشاور فيهم الناس فقال لعلي ماذا ترى فقال أرى أنهم قد شرّعوا في دين الله ما لم يأذن به فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم فإنهم قد أحلوا ما حرم الله تعالى، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين ثمانين فقد افتروا على الله الكذب، وقد أخبر الله تعالى بحد ما يفتري به بعضنا على بعض" [2] . وقد ورد هذا التأويل عن قدامة بن مظعون عامل عمر على البحرين فأنكر عليه عمر رضي الله عنه هذا التأويل ثم جلده الحد [3] ، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم قد صححوا للناس هذا الالتباس الذي حصل وبينوا لهم بأن تحليل الحرام إنما هو تشريع في دين الله، وأن من بين له حكم الحرام المجمع على تحريمه فأصر على تحليله يكون مرتدًا يقام عليه حد الردة.

وهذه الأمثلة لما قام به بعض الصحابة من إيضاح الحقائق العقدية إنما هي غيض من فيض وإلا فكم من موقف أزيلت الشبه فيه من طريق هذا الدين من قبل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولا شك أن هذا من فقههم في الكتاب والسنة الذي تشربت به قلوبهم وورثه عنهم التابعون، يقول التابعي الجليل ابن عون -رحمه الله- ثلاث أحبهن لنفسي ولأخواني: هذه السنة أن يتعلموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهموه ويسألوا عنه، ويدعوا الناس إلا من خير [4] .

(1) المائدة: 93.

(2) المحلى 11/ 287.

(3) انظر قصته كاملة في السنن للبيهقي 8/ 315.

(4) صحيح البخاري 8/ 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت