ليسوا طواغيت ولا أربابًا ولا آلهة، وإلى هذا المعنى أشار ابن عطية في تفسيره فقال"وقد قال بعض العلماء كل ما عُبد من دون الله فهو طاغوت، وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى عليهما السلام ومن لا يفعل كالأوثان فسميت طاغوتًا في حق العبدة وذلك مجاز إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان" [1] .
ويقول الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"كل من عبد شيئًا من دون الله بأي أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة فإنما عبد الطاغوت فإن كان المعبود صالحًا كانت عبادة العابد له واقعة على الشيطان الذي أمره بعبادته وزينها له كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ) ... وإن كان ممن يدعو إلى عبادة نفسه كالطواغيت أو كان شجرًا أو حجرًا أو قبرًا كاللات والعزى ومناة وغير ذلك مما كان يتخذه المشركون لهم أصنامًا على صور الصالحين والملائكة أو غير ذلك فهي من الطاغوت الذي أمر الله عباده أن يكفروا بعبادته ويتبرأوا منه ومن عبادة كل معبود سوى الله كائنًا من كان" [2] .
ويقول ابن كثير في تفسير آية سبأ التي احتج بها الشيخ عبد الرحمن آنفًا (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا) [3] ، يخبر تعالى أنه يقرّع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صور الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى فيقول للملائكة (أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) [4] أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم كما قال في سورة الفرقان (أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) [5] ، وكما يقول لعيسى (أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) [6] ، وهكذا تقول الملائكة سبحانك أي تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله (أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم) أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ) يعنون
(1) المحرر الوجيز 2/ 168.
(2) قرة عيون الموحدين 231.
(3) سبأ: 40.
(4) سبأ: 40.
(5) الفرقان: 17.
(6) المائدة: 116.