اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) [1] إلى قوله (وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ) ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد وقد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري أما والله لو واجهته لخصمته فسلوا محمدًا كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة واليهود تعبد عزيرًا والنصارى تعبد عيسى بن مريم؟؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري ورأوا أنه قد احتج وخاصم فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كل من أحب أن يُعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته وأنزل الله (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ) [2] أي عيسى وعزير ومن عبدوا من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة الله فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله، ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ، لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) [3] إلى قوله (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [4] .
ونزل فيما ذكر من أمر عيسى وأنه يعبد من دون الله وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) ... [5] " [6] ."
ومما تقدم يظهر أنه لا ينبغي أن يطلق على الملائكة والأنبياء والصالحين بأنهم طواغيت إذا عبدوا من دون الله لأن الطغيان ومجاوزة الحد واقعة من عابديهم لا منهم فالعابدون لهم هم الذين رفعوهم فوق منزلة المخلوقين وصرفوا لهم ما لا يصرف إلا لله فاعتقاد العابدين هذا هو الطاغوت والذي أمرهم به من شياطين الإنس والجن هم الطواغيت الحقيقية فيقال مثلًا إن النصارى جعلوا عيسى طاغوتًا لهم واليهود جعلوا عزيرًا طاغوتًا لهم والمشركون جعلوا الصالحين والملائكة طواغيت لهم، كما يقال أنهم جعلوها أربابًا وآلهة وهم في حقيقة الأمر
(1) الأنبياء: 18.
(2) الأنبياء: 101 - 102.
(3) الأنبياء: 26 - 27.
(4) الأنبياء: 29.
(5) الزخرف: 57 - 59.
(6) تفسير ابن كثير 5/ 375.