وهو راض أو دعا إلى عبادة نفسه، وعيسى بن مريم عليه السلام لم يرض أن يكون معبودًا بل أنكر ذلك ودعا إلى عبادة الله وحده ... ) [1] .
ولكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مسائل الباب الأول من كتاب التوحيد جعل الطاغوت عامًا في كل ما عبد من دون الله ولم يقيده بمن رضي بالعبادة، وكذلك ما نقل عن الإمام مالك وأبي إسحاق وابن جرير الطبري وابن القيم إنما نقل بصيغة العموم من غير تقييد بمن رضي بالعبادة كما تقدم في أول هذا الفصل.
قلت ولا شك أن الملائكة والأنبياء والصالحين ليسوا سببًا في طغيان الكفار ولا في عبادتهم لهم وإنما السبب في ذلك هو تلاعب الشياطين بالمشركين كما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه"صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما ود كانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع كانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غُطيف بالجوف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمذان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسماهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت" [2] .
ولأن الملاكة والأنبياء والصالحين لا تأثير لهم في إضلال المشركين استثناهم الله من الطواغيت الذين يدخلون النار مع عابديهم فقال سبحانه (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ، لَوْ كَانَ هَؤُلَاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ، لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ، إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ، لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [3] .
قال ابن كثير"وقال محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله في كتاب السيرة وجلس رسول الله عليه وسلم فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم وفي المسجد غير واحد من رجال قريش فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه وتلا عليه وعليهم (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ"
(1) فتاوى اللجنة 1/ 544.
(2) صحيح البخاري 6/ 73، وفي رواية بالجرف عند سبأ.
(3) الأنبياء: 98 - 103.