الصفحة 55 من 82

فمن الأدلة على وجوب الكفر بالطاغوت باللسان قوله تعالى (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ، مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [1] ، فهذه الآية واضحة الدلالة على أن من تكلم بالكفر بلسانه من غير إكراه فإنه يكفر، فعلى هذا فكل من قال قولًا بلسانه من غير إكراه يؤيد به الطاغوت على طغيانه أو يؤيد به ما ادعي للطاغوت من خصائص وصفات لا يستحقها وإنما هي من خصائص الله تبارك وتعالى فإنه يشمله حكم الآية السابقة ومن كفر بالله فهو مؤمن بالطاغوت قطعًا، فالكفر بالله والكفر بالطاغوت والإيمان بالله والإيمان بالطاغوت متناقضان لا يجتمعان في آن واحد، ولا يرتفعان في آن واحد ولذا قال الله تبارك وتعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) [2] ، فمع أن الكافرين كانوا يعبدون الله ويعبدون غيره من الآلهة المدعاة إلا أن الله نفى أن يكونوا عابدين لما يعبده الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك لأن عبادتهم لله بطلت بوقوعهم في عبادة الطواغيت كما قال سبحانه وتعالى ( .. وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [3] ، ولأن عبادتهم لله ليست وصفًا ثابتًا لهم جاز نفيها عنهم وإن وقعت منهم أحيانًا كما في قوله (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) [4] .

فإذا لم يُكره الإنسان على قول الكفر بلسانه فلا بد من أن يكفر بالطاغوت بلسانه، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب من الداخل في الإسلام أن يعلن بلسانه كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"المتضمنة حصر خصائص الربوبية والألوهية في الله تبارك وتعالى ونفيها عن كل طاغوت، بل إن الذي لا يعلن بلسانه الكفر بالطاغوت مع القدرة على النطق لا يعتد بإسلامه، يقول النووي"واتفق أهل السنة والمحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك ونطق الشهادتين فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا إلا إذا عجز عن النطق" [5] . قلت وإذا نطق بالشهادة المتضمنة لنفي الألوهية عن غير الله فإنه يكون قد كفر بالطاغوت الذي هو عام في كل ما عُبد من دون الله كما تقدم، ولذا رأينا الأنبياء جميعًا يعلنون البراءة من الطواغيت كما قال سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ... ) [6] .

يقول ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية"يقول تعالى للمؤمنين به من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان لكم أيها المؤمنون أسوة حسنة يقول قدوة حسنة في إبراهيم خليل الرحمن تقتدون به والذين معه من أنبياء الله، كما حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد في قول الله عز وجل (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ) ، قال الذين معه الأنبياء، وقوله (إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ) يقول حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبدوا الطاغوت أيها القوم إنا براؤا منكم ومن الذين تعبدون من دون الله من الآلهة والأنداد، وقوله (كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) ، يقول جل ثناؤه مخبرًا عن قيل أنبيائه لقومهم الكفرة كفرنا بكم أنكرنا ما كنتم عليه من الكفر بالله وجحدنا عبادتكم وما تعبدون من دون الله أن تكون حقًا وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفركم بالله وعبادتكم ما سواه، ولا صلح بيننا ولا هوادة حتى تؤمنوا بالله وحده، يقول تصدقوا بالله وحده فتوحدوه وتفردوه بالعبادة" [7] .

وكذلك يصرح إبراهيم عليه السلام بالبراءة من الطواغيت (قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) [8] ، (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) [9] . وكما أن الكفر بالطاغوت يكون باللسان فكذلك يجب أن يكون الكفر بالطاغوت بالقلب أيضًا لأن عمل القلب ركن مهم في الإيمان بالله بل هو أصل الإيمان وأعمال القلوب الإيمانية تشتمل على قول القلب الذي هو إقراره وتصديقه وعمل القلب الذي هو انقياده وإذعانه لله المتضمن إفراده سبحانه بالعبادة حبًا وخوفًا ورجاء ورغبة ورهبة وإنابة وتوكلًا وخشوعًا واستعانة وإجلالًا ودعاء وتعظيمًا وانقيادًا وتسليمًا لأمره ورضًا بحكمه، يقول ابن تيمية"فإن الإيمان أصله الإيمان الذي في القلب ولا بد فيه من شيئين تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته"، ويقال لهذا قول القلب. قال الجنيد بن محمد"التوحيد قول القلب والتوكل عمل القلب فلا بد فيه من قول القلب وعمله ثم قول البدن وعمله، ولا بد فيه من عمل القلب مثل حب الله ورسوله وخشية"

(1) النحل: 105 - 106.

(2) الكافرون: 1 - 3.

(3) الأنعام: 88.

(4) الكهف: 16.

(5) النووي مع مسلم 1/ 149.

(6) الممتحنة: 4.

(7) ابن جرير الطبري 10/ 40.

(8) الشعراء: 75 - 77.

(9) الزخرف: 26 - 27.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت