فهرس الكتاب
الله وحب ما يحبه الله ورسوله وبغض ما يبغضه الله ورسوله وإخلاص العمل لله وحده وتوكل القلب على الله وحده وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله ورسوله وجعلها من الإيمان، ثم القلب هو الأصل فإذا كان فيه معرفة واردة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب"، فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق كما قال أئمة أهل الحديث قول وعمل قول باطن وظاهر وعمل باطن وظاهر، والظاهر تابع للباطن لازم له متى صلح الباطن صلح الظاهر وإذا فسد فسد.
ولهذا قال من قال من الصحابة عن المصلي العابث لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه فلا بد في إيمان القلب من حب الله ورسوله وأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، قال الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ) ، فوصف الذين آمنوا بأنهم أشد حبًا لله من المشركين لأندادهم [1] .
ويقول عليه رحمة الله"وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح، فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ... وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال، فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة المعلول، ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك [2] ."
قلت وإذا كان الكفر بالله هو نقيض الإيمان بالله كما تقدم فإن الكفر بالطاغوت هو حقيقة الإيمان بالله فيكون الكفر بالطاغوت بالقلب هو أصل الإيمان بالله تعالى ولا يكون العبد كافرًا بالطاغوت حتى لا يصدق بعبادته ولا يقر له بها ولا يذعن له ولا يحبه ولا يجله ولا يخافه خوف العبادة ولا يتوكل عليه ولا يعظمه ولا يستسلم لأمره ولا يرضى بحكمه ولا يصرف له شيئًا من أنواع العبادات القلبية الأخرى، يقول ابن القيم"إن الإيمان قول وعمل"
(1) مجموع الفتاوى 7/ 186.
(2) المصدر السابق 7/ 672.