الصفحة 57 من 82

والقول قول القلب واللسان والعمل عمل القلب والجوارح وبيان ذلك أن من عرف الله بقلبه ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا كما قال عن قوم فرعون (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ) [1] ، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) [2] ، وقال موسى لفرعون (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ) [3] ، فهؤلاء حصل لهم قول القلب وهو المعرفة والعلم ولم يكونوا بذلك مؤمنين، وكذلك من قال بلسانه ما ليس في قلبه لم يكن بذلك مؤمنًا بل كان من المنافقين، وكذلك من عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض والموالاة والمعاداة فيحب الله ورسوله ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه ويستسلم بقلبه لله وحده وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا، وإذا فعل ذلك لم يكف في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به" [4] ، فهذا ابن القيم نص على أن الإنسان لا يكون مؤمنًا حتى يأتي بعمل القلب المتضمن الكفر بالطاغوت بالبراءة منه ومعاداته وبغضه، ومثل هذا قوله عليه رحمة الله"وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله واتخذ الله وحده وليه وإلهه ومعبوده فجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وذله لله وتوكله على الله واستعانته بالله والتجاءه إلى الله واستغاثته بالله وإخلاص قصده لله متبعًا لأمره متطلبًا لمرضاته" [5] ."

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن صفة الكفر بالطاغوت"واعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله والدليل قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [6] ، فأما صفة الكفر بالطاغوت فهو أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم، وأما معنى الإيمان بالله فهو أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون سواه وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم، وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها" [7] .

(1) النمل: 14.

(2) العنكبوت: 38.

(3) الإسراء: 102.

(4) عدة الصابرين لابن القيم 88.

(5) مدارج السالكين 1/ 346.

(6) النحل: 36.

(7) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، القسم الأول- العقيدة ص376.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت