الصفحة 58 من 82

ومما يدل على أن من معاني الكفر بالطاغوت البراءة منه بالقلب كالبراءة منه باللسان التي تقدم الحديث عنه، قوله تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [1] ، فإن الذي يجلس مع الكفار وهم يكفرون بالله ويستهزئون بدينه ويظهر لهم الرضى بذلك ولم يتبرأ من الطاغوت لا بلسانه ولا بقلبه فهو كافر مثلهم لأن القلب لا سلطان للكفار عليه، وإذا لم تحصل البراءة بالقلب دل على زوال الإيمان بالكلية وعلى فقد الكفر بالطاغوت.

ومما يدل على هذه قصة أصحاب مسجد بني حنيفة إذ تكلم بعضهم بأن مسيلمة رسول والحاضرون لم ينكروا على المتكلم ولم يخرجوا من المسجد فاعتبرهم الصحابة قد ارتدوا بهذا العمل، المتكلم والساكت الذي لم يتبرأ من الكفر وأهله، ولذا سماهم البخاري رحمه الله مرتدين فقال"وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين استتبهم وكفلهم فتابوا وكفلهم عشائرهم" [2] ، قال ابن حجر في الفتح"وقال جرير أي ابن عبد الله البجلي والأشعث أي ابن قيس الكندي وهذا مختصر من قصة أخرجها البيهقي بطولها من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب، قال صليت الغداة مع عبد الله بن مسعود فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد بني حنيفة فسمع مؤذن عبد الله بن النواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله فقال عبد الله علي بابن النواحة وأصحابه فجيء بهم فأمر قرظة بن كعب فضرب عنق ابن النواحة ثم استشار الناس في أولئك النفر فأشار عليه عدي بن حاتم بقتلهم فقام جرير والأشعث فقالا بل استتبهم وكفلهم عشائرهم فتابوا وكفّلهم عشائرهم، وروى ابن أبي شيبة من طريق قيس بن أبي حازم أن عدة المذكورين كانت مائة وسبعين رجلًا" [3] .

ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [4] لما سئل عن الآية المتقدمة (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا ... الآية) [5] ، وعن

(1) النساء: 140.

(2) صحيح البخاري مع الفتح 4/ 384.

(3) فتح الباري 4/ 384، وقارن بسنن البيهقي 8/ 206، ومسند أحمد 1/ 404، وفيه سبب قتل ابن النواحة دون البقية.

(4) عالم جليل له مؤلفات قيمة من أشهرها تيسيير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد، قتله إبراهيم باشا عندما استولى على الدرعية عام 1233هـ، انظر علماء نجد للبسام 1/ 293.

(5) النساء: 140.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت