الصفحة 59 من 82

حديث الرسول صلى الله عليه وسلم"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" [1] ، الجواب أن معنى الآية على ظاهرها وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فجلس عند الكافرين المستهزئين من غير إكراه ولا إنكار ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره فهو كافر مثلهم وإن لم يفعل فعلهم لأن ذلك يتضمن الرضى بالكفر والرضى بالكفر كفر، وبهذه الآية ونحوها استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه لأن الحكم على الظاهر، وهو قد أظهر الكفر فيكون كافرًا. ولهذا لما وقعت الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وادعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبل منهم الصحابة ذلك بل جعلوهم كلهم مرتدين إلا من أنكر بلسانه وقلبه، وكذلك قوله في الحديث"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله"على ظاهره وهو أن الذي يدعي الإسلام ويكون مع المشركين في الاجتماع والنصرة والمنزل معهم بحيث يعده المشركون منهم فهو كافر مثلهم وإن ادعى الإسلام إلا إن كان يظهر دينه ولا يوالي المشركين. ولهذا لما ادعى بعض الناس الذين أقاموا في مكة بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فادعوا الإسلام إلا أنهم أقاموا في مكة يعدهم المشركون منهم وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخاروج فقتلوا فظن بعض الصحابة أنهم مسلمون وقال: قتلنا إخواننا فأنزل الله تعالى فيهم (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... الآية) [2] ، قال السدي وغيره من المفسرين"إنهم كانوا كفارًا ولم يعذر الله منهم إلا المستضعفين" [3] ، قلت والذين قاتلوا الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر مع المشركين فإنهم وإن كانوا خرجوا كارهين إلا أنهم بعد أن تقابل الصفان يستطيعون الانحياز إلى صف المسلمين فمن استطاع الانحياز ولم يفعل ذلك لأنه يرغب في الرجوع إلى مكة لأجل ماله فلا عذر له بل هو من الذين استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.

وهذا الآية المتقدمة والحديث النبوي من أعظم ما يبين معنى الكفر بالطاغوت إلا للمكره فإنه يعذر فيما يتعلق باللسان والجوارح وأما القلب فلا عذر لمن ترك البراءة به لأنه لا سلطان لأحد عليه، ولذا فلا بد أن يبرأ القلب من حب الطاغوت ومن تعظيمه ومن خوفه خوف العبادة حتى يتحقق الكفر بالطاغوت، وكذلك أعمال الجوارح لا بد أن يصرفها العبد لله تبارك وتعالى ولا يصرف شيئًا منها للطاغوت فإن أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان فمن صرفها للطاغوت فقد آمن بالطاغوت ولم يكفر به، ومن أفرد أعماله لله تبارك وتعالى فقد كفر بالطاغوت، وإن مما يبين معنى الكفر بالطاغوت أن يعلم العبد أنه لا يصلي إلا لله ولا يزكي إلا لله ولا يذبح إلا لله ولا ينذر إلا لله ولا يحج إلا لله ولا يتحاكم إلا لله ولا يستمد التحليل والتحريم إلا من الله. فإذا كان العبد كل أمره لله فإنه قد أنكر الطاغوت وجحده وعصاه وامتنع عن الاستجابة له وكرهه وكره طاعته واحتقره وأذله وتبرأ من صرف شيء من العبادة له. والمتتبع لنصوص الكتاب والسنة يرى تعدد أساليبها وتنوع ألفاظها لتقرر قضية البراءة من الطاغوت براءة تامة، ولتوضح حقيقة الكفر بالطاغوت حتى لا يلتبس على الناس. فمن هذه النصوص ما جاء بلفظ البراءة من الطاغوت كقوله تعالى (أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ) [4] .

ولا شك أن البراءة مستلزمة للبغض والكره فلا يمكن أن يبرأ الإنسان من شيء يحبه وإنما يبرأ مما يكره ويبغض، ومن النصوص ما جاء بلفظ الاجتناب وهو الترك والابتعاد كقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [5] ، وكقوله تعالى ( ... فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) [6] ، ومن النصوص ما جاء بلفظ الترك كقوله تعالى (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [7] ، وكقوله تعالى (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [8] ، فيوسف عليه السلام من علامة توحيده وإخلاصه ترك ملة أهل الكفر ومعبوداتهم، وقوم شعيب علموا أن دعوة شعيب تنبني على ترك عبادة غير الله مما يعبد آباؤهم فاستعظموا ذلك لأنهم لا يحبون مفارقة عبادة آلهة الآباء، والتوحيد لا يتم إلا بالكفر بكل معبود غير الله.

ومن النصوص ما جاء بلفظ الاعتزال كقوله تعالى (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا، فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا) [9] .

ومن النصوص ما جاء بلفظ النهي عن الشرك كقوله تعالى (وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [10] ، والإخبار عن الشرك بأنه محرم كقوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى

(1) الحديث صححه الأفي صحيح أبي داود 2/ 936.

(2) النساء: 97.

(3) مجموعة التوحيد: 68.

(4) الأنعام: 19.

(5) النحل: 36

(6) الحج: 30.

(7) يوسف: 37.

(8) هود: 87.

(9) مريم: 48 - 49.

(10) النساء: 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت