الصفحة 80 من 82

وقد ذكر ابن كثير في معنى قوله (إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) أي نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع رب العالمين وعبدناكم مع رب العالمين [1] . قلت ولا منافاة بين ما ذكره ابن القيم وما ذكره ابن كثير فإنهم ما خضعوا لأمرهم واستسلموا له وقدموه على غيره إلا لما يجدونه في قلوبهم من المحبة والتعظيم لهم. وبهذا يتضح لنا أن المحبة لما دلت عليه لا إله إلا الله من قصر العبادة على الله ونفيها عمن سواه شرط في قبول لا إله إلا الله من قائلها وإذا فقد هذا الشرط فقد الإيمان، ولأن نقيض المحبة هو الكره والبغض والعداوة والبراءة، فمن أفرد الله بالمحبة جعل نقيضها للطاغوت، وهذا معنى الكفر بالطاغوت كما تقدم فيحصل له الإيمان، فإن أشرك الطاغوت في المحبة مع الله ارتفع نقيضها عنه وبالتالي ارتفع الكفر بالطاغوت من أعماله ففسد إيمانه وبطل بسبب الشرك في المحبة، فتبيّن لنا من هذا أن الكفر بالطاغوت ركن مهم في الإيمان لا يتحقق الإيمان دونه.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب"... إن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام ولو وحّد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء" [2] . ويقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن [3] "... إن بعض من يتولى خدمة من حاد الله ورسوله يُحَسِّن أمرهم ويُرغِّب في ولايتهم ويقدح في أهل الإسلام وربما أشار بحربهم، فإذا قَدِم بعض بلاد أهل الإسلام تلقاه منافقوها وجهالها بما لا يليق إلا مع خواص الموحدين. فافهم أسباب الشرك ووسائله، ومن كان في قلبه حياة وله رغبة وله غيرة وتوقير لرب الأرباب يأنف ويشمئز مما هو دون ذلك، ولكن الأمر كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما تُنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وما جاء في القرآن من النهي والتغليظ والتشديد في موالاتهم وتوليهم دليل على أن أصل الأصول لا استقامة له ولا ثبات له إلا بمقاطعة أعداء الله وحربهم وجهادهم والبراءة منهم والتقرب إلى الله بمقتهم وعيبهم، وقد قال تعالى لما عقد الموالاة بين المؤمنين وأخبر أن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض قال (إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [4] ، وهل الفتنة إلا الشرك والفساد الكبير هو انتثار عقد التوحيد والإسلام وقطع ما أحكمه القرآن ... وقال تعالى (لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ"

(1) تفسير ابن كثير 6/ 160.

(2) الدرر السنية 7/ 52.

(3) هو الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، من علماء نجد، له ردود ورسائل في العقيدة، توفي عام 1293هـ، انظر علماء نجد للبسام 1/ 63.

(4) الأنفال: 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت