الصفحة 79 من 82

رب إلا الله ولا خالق سواه وبأنه وحده المنفرد بالخلق والربوبية ولم يكونوا مقرين بتوحيد الألوهية وهو المحبة والتعظيم بل كانوا يؤلهون مع الله غيره وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله وصاحبه ممن اتخذ من دون الله أندادًا، قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) [1] ، فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم ثم قال (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا) ، وفي تقدير الآية قولان:

أحدهما والذين آمنوا أشد حبًا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم وآلهتهم التي يحبونها ويعظمونها من دون الله.

والثاني: والذين آمنوا أشد حبًا لله من محبة المشركين بالأنداد لله، فإن محبة المؤمنين خالصة ومحبة أصحاب الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها والمحبة الخالصة أشد من المشتركة والقولان مرتبان على القولين في قوله تعالى (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) فإن فيها قولين:

أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله فيكون قد أثبت لهم محبة الله ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أندادًا.

والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله ثم يبين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم.

وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرجع القول الأول ويقول إنما ذُموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى حكاية عنهم وهم في النار يقولون لآلهتم وأندادهم وهي محضرة معهم في العذاب (تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [2] ، ومعلوم أنهم لم يسووهم برب العالمين في الخلق والربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم وهذا أيضًا هو العدل المذكور في قوله تعالى (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) [3] . أي يعدلون به غيره في العبادة التي هي المحبة والتعظيم.

(1) البقرة: 165.

(2) الشعراء: 97 - 98.

(3) الأنعام: 1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت