الصفحة 78 من 82

بها أو أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم لا بد أن يخلص العبد فيها لله ولا يصرف شيئًا منها لغير الله، فأفعال القلب مثل الحب والتعظيم والخوف والرجاء والرغبة والرهبة والإنابة والتوكل وأفعال اللسان مثل الذكر والدعاء والاستغاثة والاستعانة وأفعال الجوارح مثل الصلاة الصيام والزكاة والذبح والنذر والحج ونحو ذلك فجميع هذه الأفعال وما شاكلها إخلاصها لله عبادة وكفر بالطاغوت وصرف شيء منها لغير الله شرك وإيمان بالطاغوت.

وأما ما يضاد توحيد الربوبية وهو إفراد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته، فهو شرك في الربوبية فإن الرب سبحانه هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل، فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره سبحانه فقد أشرك بربوبيته [1] ، وكذلك من أثبت حقائق أسماء الله وصفاته لأحد من خلقه كأن يثبت لمخلوق علم الغيب المطلق أو العلم الكامل أو القدرة الكاملة أو الحكمة التامة أو العزة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه أو الحياة الكاملة التي لا يعتريها موت ولا نوم ولا سنة ونحو ذلك، فإن هذا قد أشرك في أسماء الله وصفاته ولم يخلص أسماء الكمال وصفات الباري له سبحانه. ومن هذه حاله فإن الذي أثبت له ما يختص الله به إنما هو طاغوت بالنسبة له وهو بهذه الحالة لم يكفر بالطاغوت وإنما آمن به ومن آمن بالطاغوت انهدم إيمانه لا محالة لأن ركن الإيمان الكفر بالطاغوت وهو لم يحققه. والتأمل في صور الشرك السابقة المضادة للإخلاص يوضح معنى الكفر بالطاغوت ويوضح مكانته من الإيمان بالله تعالى.

وأما شرط المحبة في قبول لا إله إلا الله من قائلها فإنه من أعظم الشروط على الإطلاق، قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [2] ، وقال رسول صلى الله عليه وسلم"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" [3] .

يقول ابن القيم عن منزلة المحبة من الدين"وهي الحق الذي به خلقت السموات والأرض وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي وهي سر التأليه وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله وليس كما زعم المنكرون أن الإله هو الرب الخالق فإن المشركين كانوا مقرين بأنه لا"

(2) التوبة: 24.

(3) صحيح البخاري 1/ 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت