الصفحة 77 من 82

ونظير ذلك شهادة عمه أبي إطالب له بأنه صادق وأن دينه من خير أديان البرية دينًا. ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين له صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأنه صادق فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإسلام علم أن الإسلام أمر وراء ذلك وأنه ليس هو المعرفة فقط ولا المعرفة، والإقرار فقط بل المعرفة والإقرار والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرًا وباطنًا"."

وقلت وإذا فقد التصديق بالمعنيين السابقين لم يحصل الإيمان لانهدام ركنه وهو الكفر بالطاغوت الصارف للعبد عن التصديق بالمعنيين السابقين أيًا كان جنس هذا الطاغوت سواء أكان الشيطان أو الشهوة أو الهوى أو غير ذلك، وبذلك يظهر للعبد أهمية الكفر بالطاغوت وعلاقته بالإيمان.

وهذا التصديق الذي هو شرط في صحة الإيمان وفي صحة قبول لا إله إلا الله من قائلها هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله"ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله من قائلها هو الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله"ما من حد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار ... الحديث" [1] . ويلحق بهذا التصديق اللساني وهو التلفظ بالتوحيد والبراءة مما يناقضه من عبادة الطاغوت وطاعته، وهو شرط في الإيمان كما وضحناه سابقًا ونقلنا الإجماع على ذلك."

وأما شرط الإخلاص في قبول لا إله إلا الله من قائلها فأدلته كثيرة جدًا ومنها قوله تعالى (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) [2] ، وقوله صلى الله عليه وسلم"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه ونفسه"، وقوله صلى الله عليه وسلم"فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" [3] ، وضد الإخلاص الشرك وهو عبادة الطاغوت لأن الطاغوت كما تقدم كل ما عبد من دون الله، فشرط الإخلاص يلزم منه الكفر بالطاغوت لا محالة والإخلاص هو إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، وهذا الترك هو الكفر بالطاغوت فتبين من هذا أن الكفر بالطاغوت ركن مهم للإيمان لا يصح بدونه.

وصور الشرك المضادة للإخلاص كثيرة جدًا فمنها ما يضاد توحيد الألوهية وهو إفراد الله بأفعال المكلفين بمعنى أن أفعال المكلفين من أفعال القلب واللسان والجوارح التي أمر الله

(1) صحيح البخاري 1/ 41، وصحيح مسلم 1/ 229.

(2) البينة: 5.

(3) صحيح البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت